أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الإثنين 22 يناير 2018.

تونس وتركيا و رؤية مُختلفة للعلاقات

ملخّص

كشفت زيارة أردوغان الاخيرة الى تونس ازمة النخب السياسية بتونس، رغم قدم الوشائج بين البلدين وعراقة العلاقة. في المقابل، بدت رصانة خطاب رئيس الدولة التونسية متجاوزة الحساسية الايديولوجية متعاملة سياسيا مع معطيات الواقع التونسي المازوم اقتصاديا وقوة جديدة اقتصادية صاعدة. بينما مثلت الزيارة فرصة للدولة التركية لعقد شراكات استراتيجية واقتصادية باعتبار أن تونس تمثل بوابة افريقيا، هذه القارة التي تحولت الى ساحة صراع وتنافس اقتصادي كبير بين المحاور الدولية.إن النظر بشكل مختلف إلى العلاقات بين البلدين سيفتح على آفاق جديدة ويكسب أصدقاء جددا وفرصا أخرى تمكن من إدراك أن العالم أوسع من أن تظل تونس حبيسة للضفة الشمالية الأوروبية أو رهينة إملاءات صندوق النقد الدولي.

مقدمة

اثمرت زيارة اردوغان الى امضاء جملة من الاتفاقيات بين البلدين على المستوى الاقتصادي والعسكري وجملة القطاعات الأخرى، رغم ما أثارته هذه الزيارة من تجاذبات داخل المشهد السياسي والاعلامي في تونس بين مؤيدين لأردوغان وتركيا وبين معارضين له. كما أظهرت هذه الزيارة عمق التقارب التركي التونسي ورغبة كلا البلدين على المضي قدما في تطوير هذه العلاقات وتذليل كل الصعوبات والعراقيل التي تشهدها خصوصا على المستوى الاقتصادي وخلق ديناميكية أكبر في مسارات متنوعة ومختلفة.

زيارة أردوغان و أزمة النخب السياسية

وبقدر ما تبينت رصانة السياسة الخارجية التونسية وحرصها على تحسين علاقاتها مع تركيا، وقد ظهر ذلك من خلال الاهتمام الكبير من قبل الدولة التونسية بزيارة أردوغان وخطاب الرئيس التونسي السيد الباجي قائد السبسي المتزن والرصين، بينت زيارة أردوغان أن هناك شرخا كبيرا داخل النخب السياسية في تونس وكشفت عمق الازمة البنيوية التي تمر بها ونجاح عدة أجندات إقليمية ودولية في اختراق العقل السياسي التونسي وتوظيفه في معركة لن تعود بأي فائدة على تونس، بل قد تكون سببا في تدمير علاقاتها الديبلوماسية، وذلك من خلال شدة التجاذبات بين من يدافع عن تركيا وأردوغان ويتهم الأطراف الاخرى بالعمالة وبالخيانة للوطن، وبين من يتهجم على الرئيس التركي بأشد النعوت ويعتبر من يناصره بأنهم عملاء لتركيا.  وبغض النظر عن هذه التجاذبات ومدى وجاهة وجهة نظر كل طرف وعمق مقاربته، الا أن مثل هذه التجاذبات كشفت أن النخب التونسية أصبحت تخوض معارك بالوكالة لحساب غيرها، ونسيت أن معركتها الحقيقية هي في كيفية كسب معركة التخلف والفقر وحالة التدمير التي تمر بها تونس على كافة المستويات. لقد فشلت النخب التونسية بكافة مشاربها الفكرية على مستوى منسوب وعيها السياسي وبينت أنها عاجزة فعلا على إدارة الأزمة التي تمر بها تونس وانخرطت في أجندات اقليمية تحاول أن تفشل التجربة التونسية وتعيدنا إلى المربع الأول بعد أن خطت البلاد خطوات مهمة جدا في إنقاذ الوطن  من دوامة التصادم والاحتراب. إن الذين يمدحون أردوغان وتركيا ينسون تماما أن المدح لا ينفع تونس في أي شيء، كما أن الذين يتهجمون على أردوغان وتركيا ينسون أيضا أنهم لن يقدموا أي شيء إلى تونس. بمعنى لا المدح ينفعنا ولا الذم ينفعنا.  والشيء الوحيد الذي ينفعنا هو أن نوظف خلافاتنا وتجاذباتنا في مناقشة كيف يمكننا أن نرتقي بتونس ونخرج به من عنق الزجاجة ونعطي أملا جديدا للشباب التونسي الذي بات مهددا بكل الافات والكوارث التدميرية من مخدرات وبطالة وتهميش وحرمان وركوب قوارب الموت في البحار.

العلاقة مع تركيا و فرصة الاقتصاد والسياسة

إن ما يجب أن يدركه كلا الطرفين، هو أن تونس ومستقبلها تمثل المشترك الحقيقي الذي لا شك فيه، وأرضية حقيقية يمكن للنخب التونسية على اختلاف مشاربها الفكرية وأن تبني عليها وعيا وطنيا أصيلا، وخلق برامج نهضوية متقدمة تنتقل بتونس من حالة الانسداد السياسي والاقتصادي الى حالة الانفتاح والتطور على كافة المستويات. والأكيد أن هدف الارتقاء بتونس يحتاج بالدرجة الأولى من النخب التونسية على كافة مشاربها أن تتجاوز حالة التعصب الايديولوجي المقيتة، وتتجاوز حساباتها الحزبية الضيقة إلى صياغة قناعات ورؤى فكرية وسياسية صلبة و منفتحة على كل التجارب الناجحة في العالم. ولعل التجربة التركية من أهم التجارب الناجحة في العالم، فقداستطاعات أن تحول تركيا من دولة مأزومة سياسيا واقتصاديا وتعاني من مديونية كبيرة إلى دولة قوية اقتصاديا وغير مديونة لصندوق النقد الدولي واستطاعات أن تصبح رقما صعبا في ميزان المعادلات الاستراتيجية على المستوى الاقليمي والدولي.

المضحك المبكي فعلا، أن جوهر الخلاف بين المناصرين لأردوغان والمعارضين له في تونس أن أغلبهم دون أن يشعروا كانوا يخوضون معركة لحساب غيرهم مهما كان هذا الغير سواء كان قريبا منا أو بعيدا منا، ونسوا أن معركتهم الحقيقية كان يجب أن تكون لصالح تونس وتقدمها ونهضتها والخروج بها من حالة الركود السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي كان يمكن القضاء عليه من خلال فرصة الثورة التي فتحت تونس على عدة خيارات وفضاءات جديدة تساعدنا على إنجاح هذه التجربة التونسية الاستثنائية ولعل التجربة التركية هي واحدة من الفضاءات والخيارات الجديدة التي يجب على تونس والنخب الأصيلة الوفية للتجربة التونسية أن تستفيد منها بغض النظر عن التقارب الايديولوجي أو الاختلاف معها. تونس اليوم ليست هي تونس ماقبل الثورة كما أن تركيا اليوم ليست هي نفسها تركيا ماقبل مجيء حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس أردوغان، وبالتالي فنحن جميعا في تونس وكذلك في تركيا مدعوون إلى الانفتاح على بعضنا بعض من أجل التعاون المشترك، فكما أن تونس وتجربتها السياسية الناجحة نسبيا تمثل فرصة للدولة التركية لعقد شراكات استراتيجية واقتصادية باعتبار أن تونس تمثل بوابة افريقيا هذه القارة التي تحولت الى ساحة صراع وتنافس اقتصادي كبير بين المحاور الدولية، فكذلك تونس أيضا محتاجة أيضا إلى الاستفادة من التجربة التركية ومن الدولة التركية التي أبدت استعدادها للتعاون مع تونس باعتبارها لا زالت تخطو خطواتها الأولى إلى إنجاح تجربتها والاستفادة من كل الفرص والامكانيات التي تملكها تركيا. من هذا المنطلق نجد أنفسنا جميعا مدعوين أن نتجاوز ثقافة السب أو ثقافة المدح لنبني ثقافة الوعي بما تقتضيه تجربتنا الوليدة في تونس والانفتاح على التجارب العالمية الناجحة حتى نرتقي ببلدنا الى مصاف الدول المتقدمة وحتما تركيا هي واحدة من أهم الدول التي تنتمي الى العالم الاسلامي ونجحت في تجاوز أزمتها وخرجت من حالة الانهيار السياسي إلى بناء دولة قوية على كافة الأصعدة و صارت في وقت وجيز رقما صعبا في ميزان معادلة التوازنات الاقليمية والدولية. لذلك، أليس من الأجدر بالعقل السياسي التونسي خصوصا النخب أن تفك قيودها الايديولوجية والحزبية وتنحت لها قناعات جديدة قادرة أن تبني وعيا إبداعيا يؤسس لمشروع حضاري وطني يجد فيه كل مواطن تونسي نفسه، وبذلك ستبقى العلاقات التونسية التركية متينة مهما حاولت كل الأجندات الاقليمية والدولية أن تضعفها أو ضربها لأن ما يربط القطرين متجذر في الوعي  الحضاري والتاريخي، وكذلك حجم التحديات التي نمر بها في هذه المنطقة المتفجرة والمشتعلة بحروب داخلية، ولا شك أن تونس هي واحدة من الدول المهددة بمثل هذه الكوارث. أفلا يجدر بالنخب السياسية أن تتجاوز الحروب بالوكالة لصالح غيرنا إلى التوحد في جبهة واحدة ضد معركة الفساد والفقر والتخلف والاستبداد عبر الانفتاح على كل التجارب العالمية الناجحة ومنها التجربة التركية مهما اختلفنا في أبعادها وتصوراتها؟ فتركيا هذه الدولة التي باتت تمثل رقما صعبا في جملة التوازنات الإقليمية والدولية، أصبحت تنتهج سياسة خارجية أكثر ذكاء و انفتاحا توازن بين البعد الاقتصادي والبعد الاستراتيجي والبعد الديبلوماسي، مما جعلها قادرة على أن تلعب دورا مؤثرا في الخارطة الجيوستراتيجية في المنطقة وتتمدد بشكل اكثر فاعلية في مواطن نفوذ عدة قوى دولية استعمارية باتت تنظر الى تركيا على انها المنافس الاخطر الذي ينتهج سياسة النفوذ الناعم في مستعمراتها القديمة مثل القارة الافريقية وبواباتها الكبرى في شمال افريقيا مثل تونس، وعلى سواحل البحر الأحمر مثل السودان. لقد أثارت زيارة أردوغان الأخيرة الى السودان وتونس عدة نقاشات رأى فيها السودانيون أنها فرصة لربط تحالفات استراتيجية واقتصادية مع تركيا بينما شكلت زيارة أردوغان الى تونس عدة نقاشات وتجاذابات بين مؤيد ومادح لتركيا وأردوغان وبين متهجم على تركيا ورئيسها، ونتج عنه انقسام النخب التونسية غذاه في ذلك حدة التجاذبات الايديولوجية التي لن تعود حتما على تونس بأي منفعة.

خاتمة

لا شك أن زيارة أردوغان الافريقية وخصوصا الى السودان وجملة الاتفاقيات الضخمة التي عقدها مع صناع القرار هناك وكذلك استلامه لجزيرة سواكن الاستراتيجية على البحر الأحمر من أجل اعمارها وترميمها يدل على أن تركيا أصبحت تنظر الى افريقيا الان على أنها العمق الاستراتيجي الاهم في مواطن النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي في بنية التوازنات الاقليمية والدولة وأن تونس هي بوابة مهمة لهذه القارة  الغنية بثرواتها. وإذا ظلت النخب التونسية تعيش حالة التهافت وخوض معارك بالوكالة لصالح غيرها، فإننا سنجد أنفسنا في وضع صعب وخطير قد يؤدي بالتجربة التونسية إلى الفشل والدخول في نفق مظلم لن نستطيع الخروج منه، الا إذا تجاوزنا تجاذباتنا الايديولوجيا الضيقة وامتلكنا وعيا وطنيا أصيلا حقيقيا متمسكا بثوابته الحضارية ومنفتحا على كل التجارب السياسية والنهضوية الناجحة، ولعل في مقدمتها التجربة  التركية. إن النظر بشكل مختلف إلى العلاقات بين تونس وتركيا سيفتحنا على آفاق جديدة ويكسبنا أصدقاء جدد وفرصا جديدة ونفهم أن العالم أوسع من أن تظل تونس حبيسة للضفة الشمالية الأوروبية أو رهينة إملاءات صندوق النقد الدولي.

الدكتور زبير خلف الله

عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل ساهمت منصات التواصل الإجتماعي في دعم المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الليبي وإنهاء الإنقسام السياسي?