أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الإثنين 22 يناير 2018.

بين الإرهاب و العولمة، أي مستقبل ؟

تأليف : د. واصف منصور

نشر : منتدى المعارف بيروت   2015

عدد الصفحات : 139 ص

مقدّمة

كثر الحديث  في الفترة الأخيرة ، عن ظاهرة الإرهاب التي اجتاح  العالم ، الأمر الذي يستدعي دراستها بشكل متعمق من جميع جوانبها ، و البحث في أسبابها لمعالجة آثارها على السلم و الأمن الدوليين. يتألف  الكتاب من سبعة فصول : «العنف الإرهابي»،” وحق الشعوب في الثورة من أجل تقرير المصير”، و” الإرهاب الإسرائيلي»، و”الثورة الفلسطينية حركة تحرر وطني تمارس حق الدفاع الشرعي»، و”أحداث 11 سبتمبر 2011″ و”ما العولمة»، ليتساءل  المؤلف في النهاية “ما العمل؟”.

تعريف الإرهاب

هو استخدام القوة المادية أو المعنوية ، و وضع الطرف الآخر في موقف الخائف المضطر للقبول بمطالب خصمه(ص11). فعلى مدار التاريخ ، كانت التيارات المتعصبة دينيا أو قوميا أو فكريا كثيرا ما تلجا إلى أسلوب الإرهاب ابتداء من فرسان القديس يوحنا، في وقت الحروب الصليبية ،إلى محاكم التفتيش في اسبانيا و انتصار فرديناند و ايزابيلا على المسلمين في الأندلس ، إلى التنظيمات الملكية في فرنسا بعد الثورة الفرنسية ، و حركة المناشفة أثناء الثورة البلشفية في روسيا، و انتهاء بالحركة العنصرية المعاصرة (كلوكس كلان) في الولايات المتحدة الأمريكية و “الجبهة الوطنية “التي يتزعمها لوبان في فرنسا ، و حركتي “غوش ايمونيم ” و “كاخ “و غيرهما في اسرائيل .(ص13) . من هذا العرض لمفهوم العنف، يتبين أن الجهة التي تعتبره إرهابا هي الجهة التي يمارس هذا العنف ضدها ، إنها المعسكر الامبريالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ، التي تتزعم كل المجهودات الرامية إلى دعم الأنظمة الدكتاتورية و العنصرية ، و هي الخاسر الأكبر من أي تمزق يصيب النظام العالمي الراهن. وواضح أن هذا النهج يتعامل مع ظاهرة العمل الإرهابي، و يرفض مجرد الحديث عن معالجة الأسباب الكامنة وراءه، و لا يفرق بين العمل الإرهابي و العمل المسلح (ص17). ففي سبتمبر 1972 وزعت الولايات المتحدة الأمريكية في هيئة الأمم المتحدة ، مسودة لاتفاقية دولية لمنع أعمال الإرهاب الدولي و المعاقبة عليها، دعت  فيها إلى تسليم كل شخص يرتكب عملا إجراميا أو يذاءا جسديا بالغا أو اختطافا في دولة أجنبية أو ضد شخص أجنبي، بنية الأضرار بمصالح دولية أو منظمة دولية أو بقصد تحقيق تنازلات من دولة أو منظمة دولية “(ص22). و يستدل المجتمع الدولي أن العاملين الأساسيين لظهور حالات العنف هما الاستعمار و العنصرية، و انتهاك حقوق الإنسان. فالأول يؤدي إلى ظهور الكفاح التحريري ، و الثاني يؤدي إلى ظهور” الإرهاب السياسي “(ص25).

الإرهاب الإسرائيلي

إن الذي يقود الحملة الدولية لمحاربة الإرهاب هو الولايات المتحدة الأمريكية و الكيان الصهيوني ، و بالطبع انطلاقا من اعتبارهما  اي عنف يوجه ضدهما هو “الارهاب” ، بصرف النظر عن الدوافع و الأهداف،في حين إن صور العنف الذي يمارسونه هي صور عنف انتقامي. و هما ينطلقان في موقفهما هذا التعريف الذي وضعته وكالة المخابرات  المركزية للإرهاب ،حيث ترى انه “التهديد باستخدام العنف لإغراض  سياسية بواسطة أفراد و جماعات ، سواء أ كانوا يعملون مع أو معارضون  لسلطة حكومية ثابتة سواء قصدوا بأعمالهم صدم أو إكراه جماعة مستهدفة أوسع من الضحايا المباشرين (ص35). رغم الاعتراف بصعوبة تسجيل كل الممارسات الإرهابية الإسرائيلية ، فإننا نشير إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ، لم تخل دوراتها منذ عام 1949، من قرار أو أكثر بإدانة الإرهاب الإسرائيلي، و مطالبة إسرائيل بوقف انتهاكاتها لميثاق الأمم المتحدة و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان . فهذا” البروفيسور بانيون دينور” أوّل وزير تعليم في اسرائيل يقول في مقدمة كتابه – تاريخ الهاغانا:”سنعلن للعرب : “اخرجوا إذا لم يوافقوا ، فإننا سنرغمهم على التنحي بالقوة ، سنضربهم و نضايقهم و نرغمهم على الرحيل “(ص42). أمام هذه الوقائع ، لا يستطيع احد أن يفهم كيف تجرؤ سلطات العدو الصهيوني ، على التحدث عن قتل المدنيين، إذ أن المنطق الوحيد الذي يمكن أن يسوغ مثل هذه المواقف هو اعتبار المدنيين الفلسطينيين و العرب خارج قائمة المدنيين في العالم ، و بالتالي قتلهم لا يخالف حقوق الإنسان. و لعلّ ذلك ما دفع المؤرخ البريطاني “توينببي” إلى القول “أن اليهود بدلا من أن يتعلموا من مصائبهم و آلامهم فأنهم صنعوا بالعرب ما صنعه غير العرب بهم، و لم يجدوا من يطبقون عليه التعصب سوى العرب الذين لم يتلطخ تاريخهم بأي وصمة من وصمات التعصب الديني أو العنصري ، فراحوا يجرون عليهم التجارب العنصرية (ص46).

العولمة

العولمة ليست بدعة جديدة في المجتمع الدولي ،فلها جذور عتيقة تمتد إلى أكثر من خمسة قرون منذ عصر الأنوار الأوروبي ، و استكتشاف أمريكا و بدء الاستعمار العالمي. و لكنها اخذت مكانا متميزا في الحراك الدولي مع بداية انتهاء الحرب الباردة ، و سقوط جدار برلين ، و تفكك “حلف وارسو”و انهيار الاتحاد السوفياتي، و بداية مرحلة القطب الواحد و بداية “الحقبة الأمريكية”. و في تصور الدكتور واصف أن أدق تعريف للعولمة ما جاء به إسماعيل صبري عبد الله في عدد  اوت 1997 من مجلة الطريق :”العولمة هي التداخل الواضح لأمور السياسة و الاقتصاد و الاجتماع و الثقافة و السلوك، دون اعتداد يذكر بالحدود للدول ذات السيادة ، أو الانتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة ، دون حاجة إلى إجراءات حكومية ” (ص99 ).

العولمة الإعلامية

بحسب المعطيات المتوفرة ، فإن هناك ست مؤسسات متخصصة في الالكترونيات الدقيقة وفي المعلوميات، من بين أكبر عشرين مؤسسة صناعية في العالم. وهذا يؤكد أن العولمة لم تجعل العالم (قرية كوكبية)، كما تنبأ المفكر الكندي ماك لوهان، وإنما خلقت (مجتمع شبكات عالمي) كما يقول يحيى اليحياوي في كتابه “العولمة ورهانات الإعلام”. فهو يرى أن المؤسسات المالية الكبرى  تتناقل على مدى 24 ساعة معطيات من كل نقطة من نقط الأرض عبر والأقمار الصناعية. ويتحدث عن عدم رضى غالبية دول العالم، وخاصة دول العالم الثالث، عن أهداف ومرامي النظام السائد، ومطالبتهم المستمرة بضرورة العمل على إعادة صياغته. ويقول: «ولعل مطالبة دول العالم الثالث بضرورة إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد، ونظام إعلامي عالمي جديد، إلا إحدى أهم مظاهر عدم رضا هذه الدول عن النظامين القائمين، و كلاهما لا يكرس إلا الهيمنة الغربية والتخلف وقمع التطلعات الاستقلالية لهذه الدول».(ص109). وما اصطلح على تسميته، مع نهاية الثمانينيات، بالنظام الدولي أو العالمي الجديد (على الرغم من كونه طرحا أميركيا محضا) إنما «ظهر إلى الوجود في إطار مطالبة دول الجنوب بتصحيح  التفاوتات بين الشمال والجنوب على الصعيدين الاقتصادي والإعلامي؛ إذ يمكن تتبع جذوره منذ مطلع السبعينات» حين بدأت حركة عدم الانحياز تطالب بقيام نظام اقتصادي عالمي جديد، يحقق قدرا من العدالة في توزيع الموارد والثروات بين دول الشمال المتقدم ودول الجنوب المتخلف، ويحد من مظاهر استغلال ثروات دول الجنوب لحساب الشمال، ويسمح بتوظيف موارد هذه الدول من اجل تنميتها وتدعيم قدرتها في الاعتماد الفردي والجماعي على الذات. وبعد ذلك، بدأت بلدان الجنوب تطرح مطلب إقامة «نظام إعلامي جديد» يحد من ظاهرة احتكار الدول الغربية لمصادر المعلومات ولوسائل الاتصال».(ص110). وعند حديثه عن مسببات هذه المطالبة، يورد مجموعة أرقام  مأخوذة من واقعين أساسيين:

الأول:

 ويتمثل في تمركز البنية التحتية لوسائل الإعلام والاتصال بين يد عدد جد محدود من الدول الصناعية الكبرى، ومن ورائها شركاتها المتعددة الجنسيات، إذ تصل نسبة صادرات الدول المتقدمة إلى دول العالم الثالث في ميدان معدات وتجهيزات الاتصال إلى حوالي 92,85% للصحافة، 91,51% لأجهزة التلفزة، 94,70% لأجهزة الراديو ولأجهزة التسجيل، 98,32% لأدوات التصوير السينمائي، فيما تحتكر الدول المتقدمة، احتكارا شبه كامل، ميدان تصدير الأجهزة الالكترونية.

 الثاني:

ويتجلى في السيطرة شبه المطلقة لهذه الدول (وشركاتها) على مضامين العملية الإعلامية والاتصالية عبر وكالات إنبائها، وبنوك معطياتها وبرامجها السمعية البصرية، إذ تشير بعض التقارير العالمية إلى أن 90% من مجموع شبكات المعلومات توجد في بلدان لا يزيد مجموع عدد سكانها عن 25% من مجموع سكان العالم، وان 90% من المعلومات عن العالم مخزنة في الولايات المتحدة. ولذلك فهي تصدر بمفردها للعالم حوالي 75% من المعلومات المتقدمة عبر الحاسبات الالكترونية، كما أن 90% من مجموع ذبذبات الإرسال الإذاعي تحتلها دول صناعية يمثل مجموع سكانها عُشر سكان العالم.. «، في الوقت الذي نجد فيه «أن دول الجنوب التي تضم أكثر من ثلث سكان العالم لا تمتلك أكثر من 10% من مجموع الحاسبات الالكترونية المتوفرة في العالم، كما أنها لا تمتلك أكثر من 12% من أجهزة الإرسال التلفزي واقلها من أجهزة الاستقبال. لقد فتحت العولمة الإعلامية أبوابا ونوافذ وشاشات من الصعب إغلاقها؛فقد خرجت بالقضايا المحلية والحميمية ونشرتها على (حبل الغسيل)؛ وألغت ما نطلق عليه القضايا المحلية، التي تهمنا بالدرجة الأولى، وأصبحت الجريمة أو الفضيحة التي تقع في إي مكان في العالم تدخل منازلنا عبر أجهزة الاستقبال والكمبيوتر والجوالات ـ أصبحنا نعيش العولمة الإعلامية رغما عنّا، بشقيها الهابط أو السوداوي، فأصبح شبابنا يعيشون التطرف لليمين أو اليسار، أو يعيشون الانحراف، في حين أصيب كبارنا إما بالإحباط واللامبالاة أو بالاكتئاب.

و يعقب الكاتب مصطفى المسناوي على كتاب يحيى اليحياوي، بقوله  «فمثلما أن 20 في المائة من سكان العالم حسب تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة 1992 يحصلون على 82,2% من دخل العالم، ومثلما أن الدول الغنية تستهلك 70% من الطاقة العالمية و75% من معادن العالم و80% من اخشابه و60% من طعامه، نلاحظ أن من بين أول 300 شركة للإعلام والاتصال توجد 114 شركة أميركية، و80 غرب اوروبوية، و49 يابانية: أي ما مجموعه 243 شركة. ومن بين أول 158 شركة في مجال تجهيزات الإعلام والاتصال توجد 75 شركة أميركية، و86 غرب أوروبية، و33 يابانية: ما مجموعه 144 شركة، والباقي يوجد أساسا باستراليا وكندا. ومن المؤكد أن مواجهة هذه الوضعية «الاستعمارية الجديدة» لا يمكنها أن تتم على مستوى الدول منفردة، وإنما لا بد من أن تقوم على مستوى تكتلات قوية. (ص112)

العولمة التربوية

إذا كان منطق العولمة هو المنطق التسلطي القائم على سيطرة العالم الرأسمالي على جميع دول العالم، ومنطق مسح الخصائص المحلية وخلص أشخاص بتوجهات لا ملامح، فإن هذا المنطق يلقى مقاومة ورفضا كبيرين، الأمر الذي دفع بدهاقنة العولمة إلى العمل على جعل الناشئة الصغار يتشربون العولمة من الألف باء ومن رياض الأطفال ابتداء. ومن هنا ظهر ما يمكن أن يسمى العولمة التربوية التي تعني التبعية لمنظومة فكرية وعلمية وثقافية وتربوية، والالتزام بما يتم تحديده من معايير تربوية عالمية. إذ تقول  الأستاذة في كلية التربية بجامعة دمشق سابقاً، في نوفمبر 2007 من مجلة «المعرفة» السورية “أن القيم البديلة التي يسعى أنصار العولمة إلى فرضها، هي القيم التي تخطط لها القوى المهيمنة على العالم ،و المالكة لأقوى تقنيات الاتصال ، فهي ليست قيما موضوعية تسعى لخير الإنسان ، بل هي منقادة وفق مصالح الدول الأقوى عالميا “. نعم  العولمة توفر الحرية الكاملة في انتقال المعلومات و الأفكار والقيم ،و تاخد بالمتعلم من إطار الفكر المحلي إلى رحابة الفكر العلمي ، و في إطار المواطنة الضيقة و المحلية إلى إطار المواطنة العالمية، و عندهم أن العولمة تحقق للإنسان الكرامة و الحرية و الأمن فيصبح أكثر عطاء و إبداعا. (ص113)

لقد أتاحت العولمة المجال للحصول على ثورة كبرى من المعلومات النافعة في مجلات مختلفة من خلال تدفق غير مسبوق من المعرفة و المعلومات، و بشكل فائق من السهولة و اليسر. فالتواصل عن طريق شبكة الانترنت، ليس كالتواصل المباشر الذي يتسم بالحوار الصحيح، و متابعة التعلم عن طريقها قد يسلخ المثابر عليها من انتمائه القومي و يدفع به إلى العالمية، مما يعرضه إلى الضياع، و خاصة لدى الأفراد الذين لم يبلغوا النضج الكافي بعد.فما يقدم عبر الانترنت، الوسيلة الأسرع للغزو الثقافي، يستلب الرغبات و يتحك في حياة الناس و يشكل دوافعهم و يحدد أنماط سلوكم. (ص116)

خاتمة

إن اكبر هدية تقدمها العولمة برأسماليتها المتوحشة هي اليأس، و ليس سوى الإرهاب. فهناك علاقة تبادلية بين تركز الثروة و القوة التي تمثلها العولمة، و بين تفشي الفقر و البؤس و الحرمان التي تولد الإرهاب. إن المعضلة الحقيقة التي تواجهها الديمقراطية في الدول التي تحاول إخضاع العالم لعولمتها ، و خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، هي معضلة  الإرهاب الحقيقي، كسياسة دولة عظمى تعتمد العنف وسيلة مثلى لتحقيق سيطرتها على العالم ،و ليس نتاج مجموعات صغيرة منتشرة في عدة بقاع من العالم. أليس كلا العولمة و الإرهاب تطرفا ؟ الأولى تطرف في النهب و الهيمنة، و الثانية تطرف في رد الفعل ؟ الم تساعد العولمة الإرهاب  بممارستها، مثل ما فتح الإرهاب للعولمة أبواب الانتشار بفظاعة إعماله ؟(ص133)

منذر شريط

عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل ساهمت منصات التواصل الإجتماعي في دعم المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الليبي وإنهاء الإنقسام السياسي?