أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الإثنين 22 يناير 2018.

خبايا التنقيب عن الذهب في ليبيا

 

كشف مقتل 15 شخصاً على الأقل في اشتباكات مسلحة بين باحثين عن الذهب في شمال تشاد، خلال الأسبوع الأخير من العام الماضي، النقاب مجدداً عن أعمال التنقيب الجائرة عن الذهب في جنوب ليبيا. وبحسب وكالة الأنباء الفرنسية، فإن أعمال العنف اندلعت في منطقة بورغوري قرب الحدود مع ليبيا (في إقليم تيبستي المضطرب) بين مليشيات مسلحة تمتهن البحث عن الذهب في مناجم تلك المنطقة.

هذه الاشتباكات تشير إلى إقبال مسلّحي العصابات على أعمال التنقيب، بعدما كشف هواة عن ذهب في مناطق جنوب ليبيا منذ عام 2012. ولوحظ وصول كميات من الذهب الخام إلى السوق السوداء في مدن شمال ليبيا، وأنباء أخرى عن ضبط شحنات منه من قبل دول الجوار الليبي، حملته عصابات تمتهن تهريبه عبر الحدود. ويتحدّث مصدر أمني ليبي من منطقة تراغن القريبة من حدود ليبيا الجنوبية، فضل عدم ذكر اسمه، عن ممارسات خارجة عن القانون، بتشجيع من سلطات دول مجاورة لليبيا، للتنقيب عن الذهب في جبال تيبستي الممتدة بين تشاد وليبيا، وصولاً إلى جبال العوينات القريبة من السودان. ويقول لـ "العربي الجديد": "أعمال التنقيب الجائر تحدث منذ منتصف العقد الماضي. سابقاً، كان النظام يغض الطرف عنها، من دون أن يسمح بالتنقيب بشكل كبير"، لافتاً إلى أن معرفة عصابات قبلية باحتمال وجود ذهب شجعها على الإقبال عليه بشكل كبير، بعد انحسار سلطة الدولة في تلك المناطق، وتحديداً منذ عام 2012. ويشير المصدر إلى منطقتي كوري أدري والطينة، الغنيتين بالمناجم على الحدود، إضافة إلى أخرى غير آهلة بالسكان. وهناك مناجم 7 كيلو و22 كيلو و35 كيلو و22 كيلو داخل الأراضي الليبية، والتي تعد الأشهر، إضافة إلى أخرى تضم عشرات عمال التنقيب. ويبيّن أن مناطق مثل تراغن والقطرون وسبها في ليبيا تعد أسواقا خاما للذهب.

 

ويؤكد المصدر الأمني أن هذه الأعمال، سواء التنقيب أو البيع، تمارس في وضح النهار ومن دون أي رادع أو رقيب، نافياً أن يكون لأية سلطة أمنية تابعة للجانب الليبي دور في منعها أو ردعها. ويقول: "مناطق التنقيب ذات نفوذ قبلي، خصوصاً قبائل التبو. بالتالي، فإنّ دخول أية عصابات أخرى قد يتسبّب في اندلاع اشتباكات"، موضحاً أن الحادث الذي وقع خلال الأسبوع الأخير من العام الماضي ليس الوحيد، وكثيراً ما تحدث هذه الصدامات المسلحة بين العصابات. يضيف: "الخطر الآن هو وصول المشاكل إلى الداخل الليبي. كنّا نتحدث عن الزواكي ومناطق تيبستي الحدودية مع تشاد. لكنّ الحديث الآن هو عن انتهاك واسع لمناجم الذهب البكر في ليبيا، وتحديداً في جبال العوينات وسط الصحراء". ويشير إلى أن لعصابات التبو علاقات واسعة مع حركات تمرد تشادية وسودانية تمتهن التنقيب عن الذهب لتمويل أنشطتها المسلحة.

من جهته، يقول عبد اللطيف، أحد تجار الذهب في سبها الليبية، إن "تجارة الذهب الخام الذي يجلب من الصحراء مهنة رائحة منذ سنين، ويتعامل التجار مع أشخاص بعينهم يشرفون على هذه العصابات". يضيف أنّ "عصابات مسلحة يقودها أشخاص معروفين من قبائل التبو والزغاوة، يستخدمون عمالا من أبناء قبائلهم للتنقيب عن الذهب بشكل جائر وتقليدي. ويقيم المنقّبون في مخيمات في تلك المناطق، ويعملون على تصفيتها من الشوائب بطرق تقليدية، ثم تصلنا عبر رؤساء هذه العصابات".

ويتابع عبد اللطيف أنّ "مردود هذا النشاط شجع العصابات على الانتقال منتصف العام الماضي إلى التنقيب في العوينات وجبال السوداء التي تقع ضمن نفوذهم القبلي، وهي أكثر غنى بهذا المعدن والإمكانيات التقليدية". ويوضح أن التنقيب الحالي في العوينات لا يتعدى البحث السطحي، فأعمال الحفر العميق لا يبدو أنها بدأت بعد بسبب توفره بكميات كبيرة على السطح.

ويلفت المصدر الأمني إلى أن رواج هذه المهنة فتح أسواقاً جديدة، وفرض تنظيماً للعمل بسبب التنافس. ويقول إن "المال الذي يدره هذا النشاط دفع أطرافاً أخرى إلى الدخول فيه، منهم سائقون مهرة يعرفون الصحراء ويمتلكون سيارات دفع رباعي حديثة، وتجار يوفرون المؤن من غذاء ومياه وغيره لبيعها للمليشيات التي تبيعها بدروها لعمال المناجم والعصابات المشرفة عليها". يضيف: "مؤخّراً، ظهرت أسواق في سبها لتوفير أجهزة الكشف عن الذهب في باطن الأرض. فبدلاً من الآلة المعروفة محلياً بـ "الشمامة"، والتي تستخدم على نطاق واسع، بات هناك أجهزة أخرى أكثر تطوراً". ويلفت إلى أن "بعض هذه الأجهزة يتطلب تدريب العمال عليها، وهو ما يقوم به مركز تدريبي معروف جداً في سبها".

ويتحدّث عبد اللطيف عن جانب آخر في حياة المنقبين، قائلاً إن "انفلات الأوضاع وغياب السلطة في هذه المناطق، وتعوّد المنقبين على حياة الصحراء، جعل من التجار يبحثون عن خيارات أخرى غير الشراء، فاستبدلوا المال بالذهب لقاء حصول عصابات التنقيب على المؤن والوقود". ويوضح أنّ التجار في القطرون يبيعون غالون البنزين سعة 20 لتراً بـ 15 غراماً من الذهب الخام. وهناك مطعم محلي في القطرون يقدّم وجبات الغذاء في مقابل الذهب، أي أن وجبة متوسطة تعطى في مقابل نصف غرام ذهب تقريباً.

ورغم محاولة فهم ظروف وسبل التنقيب الجائر عن الذهب من خلال هذه المصادر، إلا أنه ما زال هناك غموض. على سبيل المثال، هناك أسئلة تتعلق بكميات الذهب التي نقلت من تلك المناطق، وإمكانية تورّط سلطات بعض الدول، وغيرها. لكن الأكيد أن هذا العمل يمثّل شكلاً جديداً من أشكال استنزاف موارد البلاد.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل ساهمت منصات التواصل الإجتماعي في دعم المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الليبي وإنهاء الإنقسام السياسي?