أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الإثنين 16 يوليو 2018.

ليبيا – القبلية الزائفة

 

بقلم / عبدالواحد حركات

إن سلمنا بأن الليبيون بدو، قبائل متناحرة أو متخاصمة أو متهادنة أو متحالفة أو متآلفة، تحكمهم الأعراف القبلية وتستعمرهم الطقوس والمورثات والتقاليد وغرام رهيب لمتباينة طويلة من النوستالوجيات المختلطة..!

يكون من البديهي أن تتحصن القبائل وتتزود بكل عتاد القدماء الفكري وتتخندق أو ترابط في الماضي لمكافحة التطور والمدنية والتغير فكرياً، رغم غرقها أو إدمانها لجديد التكنولوجيا وحديث الموضة والإكسسوارات والسيارات، ومنطقي أن يتعشق أبناء القبائل اليورو والدولار وتشلسي وروما وبرشلونة والريال، ويعادوا الأوروبيين -بنو الأصفر-  عن بكرة أبيهم والأمريكان، وعلى الرغم من أن دراستهم وعلاجهم وحصونهم ومخابئهم ومنابر وطنيهم ونزهاتهم ومواردهم وأرصدتهم بمدائن أوروبا، إلا أن سخطهم وأحقادهم على قاطنيها منطقي أيضاً بنظرهم، إنهم دون حرج يساكنون أوروبا والأوروبيات ليحصلوا على جنسيات أو جوازات تحقق لهم الأمان والحماية وحرية التنقل، ولكن أحلامهم وأمانيهم معلقة  بخبز الجمر على الكثبان الرملية بأطراف هون..!

ضمنياً.. لا يلامون لأنهم ممتلئون بالتناقض حياةً وتاريخاً، فهم مفخخون بالظنون السيئة والعناد ومجبولون جينياً وبحكم العادة  على السير عكس الاتجاه وعداء المستقبل والتعشق لماض سطرت سيرته، وسجلت أحداثه أنامل وعقول ومؤرخي مستعمريهم، ويحيط بهم التناقض مذ فتحوا أعينهم حتى يغمضوها لآخر مرة ويهجعوا بقبورهم..!

مقاومة التغيير فعل مقبول في حدود زمن وبواقعية، ولكن مقاتلة التطور ومكافحته وتجريمه فعل غير سوي، ومضاد لفطرة الحياة وإنسانية الفرد، إذ يشكل التطور ومغادرة الماضي باتجاه المستقبل وردم الأسلاف ونسيانهم والتفوق عليهم قيمياً وحضارياً، أبسط وأعم بديهيات الحياة وأكثرها شيوعاً..!
لا علاقة لليبيين بالسياسة، إذ أنها فن إنجاز الممكن، في حين يبحث الليبيون عن إنجاز غير الممكن لهم حضارياً، فتقوقع ليبيا لعقود واجترار موشح القبلية ، والخلط البائس للمفاهيم وتعميق العزلة الاجتماعية بين الليبيين، وترسيخ الفكر القبلي على حساب الوطن الواحد، وما تفعله الجغرافيا من دعم للعزلة وتأكيداً للفوارق، وتعطل فكر السلم وآلياته، والتقديس المقزز للأفراد، وازدراء وعداء ووأد تعدد الآراء بدعوى الضمير والذات والمصلحة القبلية، كل هذا له تأثيره في الأزمة الليبية وفي الشخصية الليبية..!

الركون إلى القبلية أو مغادرتها بقناعة أمران عسيران على الليبيين، إلا أن تحصن الليبيين وتشبثهم بقبلية زائفة تخلت عن مفهوم القبيلة ومنطقياتها وأسسها وضماناتها يعد مأزق، فسيطرة فئات قليلة على القبائل واحتكارها للقبائل وتسييرها لها وفق رؤى فردية تسهم في تأزيم المواقف، وتأجيج قضايا ماضوية وتأكيد الانعزالية والعداء وسكب الزيت على أي شرر صادف، فليس هنالك ضامن أو احترام لحرية الأفراد وحقوقهم داخل القبائل، وليس هنالك ضامن لسيادة الأنبل والأقدر أو سلطة المنطق والعقل في القبائل، بل تسيطر أرستقراطيات أو ما شابهها على كل القبائل، فالقبائل ما هي إلا أفراد أو عائلات تحكمت وسيطرت على مناطق وتمكنت بالمال أو بالسلاح وإرهاب القوة من فرض سيطرتها، وانتزاع شرعيتها، وتكميم أفواه الضعفاء والفقراء في جميع القبائل..!

المال والسلاح يحكمان القبائل، وكما أن ليبيا مكتظة بالأزمات والمشاكل والمظالم، كذلك القبائل فالسطو ونهب أملاك الدولة ومرافقها، واغتصاب أموال وآراضي وحقوق الفقراء والضعفاء، وتخصيص الأحكام العرفية لأغراض غير إنسانية وبدعاوى غير منطقية لتحقيق مصالح وبسط سطوة، وما لا يعقل من جرائم إدارية ومحسوبيات واغتصاب التفوق وهدر قيمة الإنسان، والفرار من العقاب أو ربما الارتقاء فوقه لثلة احتكرت السطوة والسيطرة على القبائل، أمور تشرعها وتسنها قبائل اليوم وتبيحها عنوة..!

إن سلمنا بأن ليبيا هي القبائل، فعلينا أن نهتم قبل كل شيء بتقويم القبائل، وضمان وجودها وفق مفهوم القبيلة ونظمها، لا أن نقبلها على علاتها ونظل في دوار بين القبيلة ذات الأعراف والعادات والمثل وبين القبيلة الزائفة الغارقة في البراغماتية والمنحصرة في ثلة سلطوية لا ترى في القبيلة إلا جمهور جهوي أو انتخابي أو قتالي تقوده لتحقق مصالحها الشخصية، وتدفع للموت والسجن البسطاء والأبرياء  لتتمتع بمنابر ووسائد القاعات وتتشدق بالزيف عبر المواقع والقنوات..!

يجب أن تكون القبيلة على مثالها الأصيل، وتعلن ضوابطها وتضمن العدالة الاجتماعية داخلها، وتؤمن لكل أفرادها حقوقهم وتحمي مصالحهم وتمنع تغول أصحاب المال والنفوذ والمجرمين على البسطاء والفقراء فيها، وأن عجزت القبيلة عن حل المشاكل بين أفرادها وضمان العدل والتراحم والثقة والشفافية، ورد مظالم مظاليمها من ظلامها، فهي أعجز عن تحقيق أي شيء خارج مضاربها، وأعجز أن تفي وتضمن أي تعامل أو اتفاق مع سواها..!

الليبيون في حاجة لوقفة وتدبر في تفاصيل وجودهم كمجتمع، بدل الانجراف وراء شعارات زائفة ومفاهيم مغلوطة ورواد براغماتيون مضللون..!

بعد منح الإعتمادات للتجار هل لاحظت إنخفاضاً في أسعار السلع التموينية؟

نعم - 0%
إلى حد ما - 19.6%
لا - 78.3%

مجموع الأصوات: 46
انتهت عملية التصويت في هذا الاستطلاع