أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الثلاثاء 25 سبتمبر 2018.

الإقلاع الاقتصادي في إفريقيا

ملخّص                                                               

في الماضي القريب، عندما كنا نتكلم عن أفريقيا، كنا نذكر المجاعة والحروب والفساد والإرهاب. لكن خلال السنوات الأخيرة، أصبحت الاقتصاديات الإفريقية أكثر قوة، بل وإن نموها يزداد بوتيرة لم يسبق لها مثيل. وأصبحت أفريقيا ثاني أسرع منطقة في العالم بعد شرق آسيا. فالسنغال وكينيا وغانا والكوت ديفوار وأثيوبيا حققوا نسب عالية تجاوزت ال 6% بفضل الاستهلاك الخاص وتطوير البنية التحتية والاستثمارات الخاصة. فما هو السر الكامن وراء هذا التطور السريع لنسب نمو أغلب البلدان الأفريقية ؟ وهل يمكن لتونس أن تستفيد من هذه التجربة الرائدة.

مقدّمة

تستعد تونس للدخول للسوق الإفريقية لشرق وجنوب أفريقيا، “الكوميسا” لتصبح عضوا قارا فيها في بداية أفريل 2018 مما قد يمكنها من تنويع شراكاتها التجارية وتحسين صادراتها وبالتالي ميزانها التجاري وقيمة عملتها الوطنية. ويعتبر هذا التكتل الاقتصادي الإفريقي التي تنوي تونس الانضمام له، الثاني من نوعه بعد تجمع دول الساحل والصحراء (SAD-CEN). وقد جلبت أغلب الاقتصاديات الإفريقية اهتمام عديد المستثمرين الأجانب بما توفره من ثروات طبيعية هامة وسوق واسعة متمثلة في أكثر من مليار نسمة.

معدّلات نمو مرتفعة في أغلب اقتصاديات أفريقيا

تعتبر منطقة شرق أفريقيا المنطقة الأسرع في معدلات النمو في القارة السمراء ب 5.6% سنة 2017 ويتوقع البنك الإفريقي للتنمية، في تقريره حول الآفاق الاقتصادية لأفريقيا في سنة 2018، أن معدلات النمو الاقتصادي في هذه المنطقة سوف تواصل ارتفاعها لتصل الى 5.9% سنة 2018 وحتى 6.1% سنة 2019. وتعتبر منطقة شرق أفريقيا المنطقة الأكثر تناسقا من حيث مستويات النمو الاقتصادي حيث حققت كل من الجيبوتي، أثيوبيا، كينيا، رواندا، تنزانيا وأوغندا معدلات نمو تزيد على 5%. ويعتبر الاستهلاك الخاص المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي في جزر القمر وفي كينيا بينما يعتبر الإنفاق العمومي في البنية التحتية العنصر الأهم في النمو الاقتصادي لكل من جيبوتي وإثيوبيا. وفي جل بلدان هذه المنطقة، تحتل أنشطة البناء والأشغال العامة والخدمات المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصال الحيز الأهم في النسيج الاقتصادي علاوة على الصناعات المعملية في كل من كينيا وتنزانيا.

كما تعتبر منطقة شمال أفريقيا، المنطقة الثانية من حيث معدلات النمو المحققة في سنة 2017، بمعدل عام ب5% مقارنة ب 3.3% سنة 2016 و5.1% سنة 2018 قبل أن يتراجع النمو الاقتصادي إلى 4.5% سنة 2019 حسب تقديرات البنك الإفريقي للتنمية. وقد لا تعكس هذه النسبة العالية من النمو الاقتصادي حقيقة الأوضاع الاقتصادية في المنطقة من جراء عدم الاستقرار الاقتصادي في ليبيا والتي سجلت هذا العام (2017) نموا كبيرا ب55.1% بعد عودة الإنتاج في الحقول البترولية والذي لا يزال في مستوى ثلث مستواه العادي قبل الثورة بينما حققت مصر نموا استقر في حدود 4.1% عام 2017.

أما المنطقة الثالثة من حيث مستوى معدلات النمو المسجلة، فهي منطقة غرب أفريقيا بنسبة نمو تساوي 2.5% سنة 2017 وهي مرشّحة للارتفاع إلى 3.6% سنة 2018 و3.8% سنة 2019 بفضل المحاصيل الزراعية الهامة وحجم إنتاج النفط خاصة في نيجيريا. وتعتبر كل من الكوت ديفوار وغانا والسنغال، البلدان التي حققت أعلى معدلات النمو في المنطقة.

وبالرغم من تحسّن معدلات النمو في المنطقة الجنوبية من أفريقيا من 0.9% سنة 2016 الى 1.9% سنة 2017 ويمكن أن تصل الى 2% سنة 2018 و2.4% سنة 2019، يمكن اعتبار هذه المنطقة ضعيفة من حيث معدلات النمو المحققة في أغلب بلدانها. وإذا استثنينا أفريقيا الجنوبية وأنغولا وزمبيا، البلدان الأكثر تصديرا للمواد الأولية في المنطقة والتي تمثل لوحدها نقطة كاملة في النسبة المسجلة، فإن النمو الاقتصادي لأغلب الدول الممثلة للمنطقة مرتبط أشد الارتباط بمعدلات النمو في أفريقيا الجنوبية عن طريق المبادلات التجارية التي تمر عبر الاتحاد الجمركي للمنطقة. وحتى نسب النمو التي تقارب ال4% المسجلة في كل من المالاوي وجزر الموريس والموزنبيق ولوسوتو لم تأثر بشكل قوي على معدل النمو العام في المنطقة نظرا لضعف حصة الناتج المحلي الإجمالي لهذه البلدان. وتعد قطاعات الفلاحة والمناجم والخدمات، المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي في المنطقة.

وبالرغم من انخراط خمس دول تنتمي لمنطقة أفريقيا الوسطى في منطقة التبادل الحر (CEMAC) إلا أن انخفاض العائدات النفطية أثرت سلبا على معدلات النمو المسجلة في سنة 2017 ولم تتمكن المنطقة من تحقيق سوى 0.7% وهو المعدل الأسوأ في القارة. وقد سجلت كل من غينيا الاستوائية و والكونغو نسب نمو سالبة ب -7.3% و -4% لكل منهما.

اهمية توسع الطبقة الوسطى

أثبتت التجربة الإفريقية المعاصرة أن النمو السكاني لا يعيق النمو الاقتصادي، بل كان حافزا مهما له. وقد أكّدت تجارب كبريات اقتصاديات آسيا مثل الصين والهند هذه المقاربة وحققت الطفرة الاقتصادية بالتوازي مع الطفرة السكانية.

كما تشير أغلب التقارير الدولية أن النمو الاقتصادي في القارة الأفريقية سيكون محكوما بتزايد نموها السكاني، إذ سيبلغ تعداد الأفارقة نحو المليارين في السنوات القادمة.

وقد أكّدت العديد من الدراسات الاقتصادية أن تحقيق معدلات النمو العالية في أفريقيا كان بفضل توسع الطبقة الوسطي فيها والتي باتت تمثل أكثر من ثلث مجموع السكان في القارة السمراء البالغ عددها المليار نسمة. وأصبح حوالي 34% من الأفارقة في عداد الطبقة الوسطى أي ما يوازي تقريباً 370 مليون شخص ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 42 % بحلول عام 2060 وفق البنك الأفريقي للتنمية.

 فعندما تتوسع الطبقة الوسطي، يرتفع طلب الاستهلاك على السلع والخدمات من  المسكن اللائق الى الخدمات الصحية والتعليم والاتصالات الحديثة وغيرها من السلع التي يمكن توفيرها عن طريق إنتاجها على عين المكان بالاستثمار المحلي أو اللجوء الى الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وبالتالي تمثل أفريقيا سوقا واعدة للسلع والخدمات الأجنبية أو المحلية ويمكن أن تسيل لعاب رجال الأعمال للاستثمار في هذه القارة السمراء,

وقد أشار تقرير البنك الإفريقي للتنمية لسنة 2018 حول الآفاق الاقتصادية في أفريقيا، أن الاقتصاديات الأفريقية أظهرت القدرة على الصمود، فالنمو الاقتصادي ارتفع في العموم بحوالي نقطة ونصف في سنة 2017 من 2.2% سنة 2016 الى 3.6% سنة 2017 وهو مرشح للارتفاع في السنوات المقبلة ممّا يعكس عموما السياسات الاقتصادية الجيّدة والتقدم الملموس في الإصلاحات الهيكلية في أغلب اقتصاديات أفريقيا.

أغلب الدول الأفريقية جالبة للاستثمار

تمتلك أفريقيا موارد كبيرة ومتنوعة كالموارد المعدنية والنفطية، والموارد الزراعية، والموارد السمكية، وموارد الغابات وغيرها من المواد ممّا يمثل مجالات استثمارية قوية الى جانب بناء المنشآت الأساسية والبنى التحتية، كالطرقات والمطارات والموانئ وتوليد الكهرباء والسدود والخزانات وغيرها.  فالاستثمار في المجال الزراعي مثلا يعد من أفضل الخيارات التي تقدمها أفريقيا للمستثمرين للإسهام في تحقيق النمو الاقتصادي والأمن الغذائي في أفريقيا.

وكما كانت ثروات أفريقيا تعد من بين الأسباب التي أدّت الى استعمار بلدانها من طرف القوى الاستعمارية، تتسابق اليوم أغلب الدول الأجنبية على الاستثمار في أفريقيا والنفاذ إلى ثرواتها وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والصين وروسيا وإيران وتركيا وماليزيا والهند وكوريا وتايوان والبرازيل. وقد وفرت أغلب الدول الأفريقية المناخات الملائمة لجلب الاستثمارات الأجنبية بمراجعة سياساتها الاقتصادية، ونظمها الاستثمارية وسنَّ العديد من التشريعات والقوانين الجديدة جعلت من الدول والشركات تتسابق نحو أفريقيا. ولقد استوعبت الاقتصاديات الغربية جيدا هذا التحوّل في القارّة السمراء، وهي تعاني منذ الأزمة المالية العالمية للرهن العقاري وأزمة الدين العمومي، الركود الاقتصادي وأصبحت بأمسّ الحاجة إلى أسواق جديدة يمكن أن تسوّق فيها سلعها وأن توجّه لها مستثمريها فانطلقت في عقد شراكات عديدة مع الدول الإفريقية في شكل اتفاقيات تبادل حرّ لإزالة كل الحواجز  التي تعترض السلع والخدمات المتوجّهة إلى إفريقيا.

وتدفقت الاستثمارات من كل صوب وحدب من دون أن تكون هناك محدّدات لقبول تلك الاستثمارات وضوابط  لتوجيه مساراتها. وقد كان نصيب الأسد من الاستثمارات الأجنبية المتدفقة على أفريقيا في عام 2016، لكل من جنوب إفريقيا والمغرب ومصر ونيجيريا وكينيا، بينما لم تتمكّن تونس والجزائر إلا من جلب القليل منها بالرغم من تحسن مرتبتهما مقارنة بعام 2015، حيث احتلت تونس المرتبة التاسعة إفريقيا والجزائر المرتبة العاشرة.

وبحسب تقرير “ارنست آند يونغ” لسنة 2016، فإن المغرب هو المستثمر الأول من داخل القارة خاصة في غرب أفريقيا بنحو 4.8 مليار دولار عام 2016 ويعتبر كذلك معبرا مهمّا للاستثمار الأجنبي نحو القارة السمراء بفضل تحسّن مناخ الأعمال من بنى تحتية واستقرار سياسي ممّا جعله القاعدة الدولية الأقوى في إفريقيا من حيث التصدير نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية وأسواق الشرق الأوسط.  وتأتي مصر في المرتبة الثانية من حيث جلب الاستثمارات الأجنبية خاصة من الصين والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا بعد جملة الإصلاحات المتمثلة أساسا في التقليص من الإجراءات الإدارية وخلق مناخ أعمال يتضمن المزيد من الحرية الاقتصادية علاوة على التقدم الملحوظ في البنية التحتية والتي احتلت مصر فيها المرتبة الثانية إفريقيا.

التكتلات الاقتصادية الأفريقية والاسهام في الاقلاع

تتوفر في إفريقيا تقريبا 12 تكتلا اقتصاديا :

    المجموعة الاقتصادية الأفريقية (AEC) والتي تأسست إثر صدور خطة لاجوس سنة 1980 والتي تم توقيها في العاصمة النيجيرية أبوجا أيام 3 الى 6 يونيو 1991 حيث دخلت حيز التنفيذ في شهر ماي 1994. وتضم هذه المجموعة 11 بلدا من جنوب أفريقيا إضافة الى تنزانيا من شرق أفريقيا وكنغو الديمقراطية ومدغشقر من وسط أفريقيا.وتمثل المجموعة الاقتصادية الإفريقية تقريبا ربع سكان القارة (27%) وربع الإنتاج فيها.
    الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا (UEMOA) والذي تأسس عام 1994 ويهدف الى تحقيق الاندماج الاقتصادي للدول الأعضاء الثمانية في سوق اقتصادية ومنفتحة وهم البينين، بوركينا فاسو، الكوت ديفوار، غينيا بيساو، مالي، النيجر، السنغال والطوغو. وقد أسست هذه المجموعة عملة خاصة بها وهي CFA ولها بنك مركزي يدير هذه العملة. وبالرغم من صغر حجم هذه المجموعة والتي لا تمثل إلا 10% من سكان القارة و4% فقط من إنتاجها، إلا أن نسب النمو الاقتصادية العالية التي سجلتها أغلب بلدان هذه المجموعة على غرار الكوت ديفوار والسنيغال جعلتها من المجموعات القوية في المنطقة.
    المجموعة الاقتصادية والنقدية لأفريقيا الوسطى (CEMAC) والتي تأسست في 16 مارس 1994 وأصبحت في سنة 1998 تسمى بالاتحاد الجمركي والاقتصادي لدول أفريقيا الوسطى (UDEAC) تضم 6 دول من أفريقيا الوسطى وهي الكامرون، جمهورية أفريقيا الوسطى، الكنغو، الغابون، غينيا الاستوائية والتشاد. وتعتبر هذه المجموعة ضعيفة من حيث نسب النمو المحققة في أغلب أعضائها كما أنها لا تمثل إلا 4% من سكان القارة و3% فقط من حجم الانتاج فيها.
    تجمع التنمية الجنوب إفريقى (SADC) ومقره بجابرونى ببتسوانا يضمّ 14 دولة. تأسس هذا التجمّع في أبريل 1980 تحت اسم “مؤتمر تنسيق تطوير الجنوب الإفريقي” (SADCC) قبل أن يتحول الى تجمع التنمية الجنوب أفريقي فى أغسطس 1992. يضم هذا التجمع كل دول أفريقيا الجنوبية ما عدى ساو تومي وبرينسيبي إضافة الى مدغشقر والكنغو الديمقراطية من أفريقيا الوسطى وتنزانيا من شرق أفريقيا . ويعد هذا التجمع حوالي ربع سكان أفريقيا و27% من ناتجها الإجمالي سنة 2016 تتقدمهم جنوب أفريقيا من حيث حجم الإنتاج (49.5%) وكنغو الديمقراطية من حيث عدد السكان (24.2%). ومن المنتجات الرئيسية لهذه المجموعة النحاس ـ الماس ـ البترول ـ اليورانيوم ـ الماشية ومنتجات اللحوم ـ البن ـ القمح ـ الذرة ـ المنجنيز ـ السكر والتبغ.
    اتحاد المغرب العربى (UMA) والذي تأسس بموجب معاهدة مراكش فى 17 فبراير 1989 يضم كل من المغرب وتونس والجزائر وليبيا وموريتانيا بحوالي 8% من سكان القارة السمراء و17% من ناتجها الاجمالي تتقدمهم الجزائر ثم المغرب. وبقيت هذه المجموعة الى الآن شبه مشلولة بسبب مشكل الصحراء الغربية.
    تجمع دول الساحل والصحراء (CEN-SAD أو CEN-SAD ) والذي تأسس خلال اجتماع استضافته العاصمة الليبية طرابلس فى الفترة من 4 الى 6 فبراير 1998 يضم 27 دولة وهي كل دول شمال أفريقيا ما عدى الجزائر  وكل دول غرب أفريقيا ما عدى الرأس الأخضر إضافة الى خمس دول من شرق أفريقيا وهي جزر القمر وجيبوتي واريتريا والصومال والسودان ودولتان من أفريقيا الوسطى وهي جمهورية أفريقيا الوسطى والتشاد وساو تومي برنسيبي من جنوب أفريقيا. ويعتبر هذا التجمع  الأكبر من حيث عدد السكان (48%) والناتج (55%) تتقدمهم نيجيريا ومصر ب35% و26% من حجم الناتج لهذه المجموعة. وتشكل الزراعة المورد الاقتصادي الأساسي للدول الأعضاء (75% من الناتج الإجمالي) والتي تشغّل حوالي 65% من اليد العاملة فيه. وبالرغم من أهمية هذه المجموعة، فإن التجارة البينية تكاد تكون مفقودة بين أعضائها وقد ازداد الأمر سوءا بعد ثورات الربيع العربي ومنذ رحيل معمر القذافي، مؤسس هذا التجمع حيث أصبح عقول أعضائه موجه نحو تجمعات أخرى.
    السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (COMESA) : تأسس رسميا بعد توقيع الاتفاقية المنشئة له فى نوفمبر 1994 بالعاصمة الأوغندية كمبالا. يعتبر هذا التجمع الأكثر تنوعا، فكل المناطق الأفريقية ممثلة فيه ما عدى منطقة غرب أفريقيا. ويعدّ حاليا 20 دولة وينتظر أن تنظم تونس والسنغال في بداية شهر أبريل 2018 ليصبح هذا التجمع ثاني أكبر تجمع أفريقي بأكثر من ثلث ناتج القارة السمراء (33%) و41% من سكانها. وتعتبر السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا التجمع الأثر فاعلية حيث تم إلغاء الرسوم الجمركية للسلع المتداولة فيما بين هذه الدول. وقد تمكنت الكوميسا من إزالة القيود على التأشيرات بين أغلب أعضائها.
    المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS أو CEDEAO) : تأسس هذا التجمع فى مايو 1975 بموجب معاهدة لاجوس ويضم كل دول غرب أفريقيا الخمس عشر وهو ما يمثل تقريبا ثلث سكان القارة الإفريقية وأكثر من ربع إنتاجها (26%). وتمثل نيجيريا لوحدها أكثر من نصف سكان هذه المجموعة (52%) وتقريبا ثلاث أرباع إنتاجها (73.5%). وما يميّز هذه المجموعة، نسب النمو العالية لأغلب بلدانها على غرار الكوت ديفوار (8.4%) والسنغال (6،6%). وبالرغم من امتلاك هذه المجموعة قوة ردع خاصة بها، فإن التناحر بين أعضائها على زعامة المجموعة جعل من تنزيل قراراتها أمرا صعبا.
    تجمع شرق إفريقيا (EAC) : تأسس هذا التجمع فى 7 يوليو 2000 ويضم خمس دول من شرق أفريقيا وهم كينيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا وبوروندى مما يمثل حوالي 14% من سكان القارة و7% فقط من إنتاجها. وقد هذا التجمع اتحادا جمركيا ومنطقة تجارة حرة بين كينيا وتنزانيا وأوغندا.
    الإيكاس (ECCAS أو CEEAC) : تأسست هذه المجموعة فى أكتوبر 1983 وتضم فى عضويتها 11 دولة، 7 دول من أفريقيا الوسطى وهي الكاميرون، جمهورية وسط إفريقيا، تشاد، الكونغو (برازافيل)، جمهورية الكونغو الديمقراطية، غينيا الاستوائية والغابون و دولتان من كل من شرق أفريقيا وهي البوروندى و رواندا وجنوب أفريقيا وهي أنجولا وساوتومى وبرنسيب. تمثل هذه المجموعة تقريبا 15% من سكان القارة وعشر إنتاجها. وتعتبر هذه المجموعة من أضعف المنظمات القائمة فى إفريقيا وأشدها تعرضا للصراعات حيث لم تتخلص بعد من آثار الصراعات البينية والأهلية مما يجعل الطريق أمام تحقيق أهداف التجمع صعبا.
    الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (IGAD) التي تأسست عام 1996 هي هيئة ترعى التعاون والتكامل الإقليمي فى منطقة شرق إفريقيا، وتعوض “إيجاد” الهيئة الحكومية للتنمية ومواجهة الجفاف (IGADD) التى تم تأسيسها فى عام 1986 من جانب ست دول تعانى من الجفاف فى شرق إفريقيا، وهى جيبوتى وإثيوبيا وكينيا والصومال والسودان وأوغندا، ثم انضمت إليها إريتريا كعضو سابع بالمنظمة.
    مجموعة الدول المطلّة على المحيط الهندي (COI) والتي أنشأت في 1982 بين 4 دول وهي جزر القمر، جزر الموريس، مدغشقر إضافة الى رايونيون وهي مجموعة ليست لها أي وزن في أفريقيا.

ولعل من بين الأسباب التي جعلت من تكتلات اقتصادية تنجح أكثر من غيرها، الاستقرار السياسى الذي يسود أغلب نظمها. وما أبطأ وتيرة التعاون داخل أغلب التكتلات الاقتصادية، عدم الفصل بين العلاقات السياسية من جانب والعلاقات الاقتصادية من جانب آخر وخاصة غياب الاستراتيجيات بعيدة المدى لهذه التجمعات الاقتصادية والتي تتعطل بمجرد تغير حكوماتها. كما أن البنية الأساسية لقطاع النقل والمواصلات في كل التكتلات الاقتصادية الإفريقية لا زالت في حاجة إلى التطوير ممّا يجعل من التبادل التجارى بين أعضاءها أمرا صعبا. فبخلاف تسع دول أفريقية وهي الرأس الأخضر، الجزائر، أثيوبيا، الصومال، بوتسوانا، لوزوتو، الموزنبيق، ناميبيا وجنوب أفريقيا، فإن جل الدول الأفريقية منضوية في أكثر من تكتل اقتصادي أفريقي وهو ما يتعارض مع قواعد منظمة التجارة العالمية -التى تنص على أن الدولة العضو بتجمع اقتصادي إقليمي ينبغي عليها ألا تنضم إلى أكثر من اتحاد جمركى- ويخلق نوع من الازدواجية فى الخطوات اللازمة لتحقيق التكامل الإفريقي. وبالتالي على الدول الإفريقية المنضوية تحت أكثر من تكتل اقتصادي أفريقي أن تحدد المجموعة الاقتصادية التي ترغب في الانضمام إليها إذا كانت هذه التكتلات متجهة نحو إنشاء اتحادات جمركية.

تونس والخيار الافريقي

ارتباط تونس بالشركاء الأوروبيين التقليديين الأربعة-فرنسا، ألمانيا، إيطاليا واسبانيا- في مجمع معاملاتها التجارية، زاد في هشاشة الاقتصاد التونسي وارتباطه بمعدلات النمو التي يحققها الاقتصاد الأوروبي، علاوة على الخسائر التي يتكبدها من جراء عدم الاستقرار في الشقيقة ليبيا جعل من الانفتاح نحو السوق الإفريقية أمرا محتوما.

وقد تقدمت تونس في هذا المجال أشواطا لا بأس بها في التعاون مع الاقتصاديات الافريقية وهي تقترب بخطوات ثابتة نحو الانضمام إلى السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا، الكوميسا ممّا قد يعود بالنفع على الصادرات التونسية. وقد بذلت تونس جهودا كبيرة في هذا المجال وذلك بفتح خمس مكاتب تجارية في كل من بوركينا فاسو والكنغو الديمقراطية وكينيا ونيجيريا إلى جانب فتح خطوط جوية مباشرة مع النيجر وغينيا.

ولعل من بين الأسباب التي جعلت من التعاون مع الاقتصاديات الإفريقية مفيدا لتونس، موقعها الجغرافي الذي يخول لها أن تكون منطقة عبور للسلع والأشخاص من أوروبا الى أفريقيا. فمعدلات النمو العالية التي تحققها أغلب البلدان الأفريقية والتطور الملفت للأنظار في كافة المجالات الحياتية يستوجب توفير الآليات الضرورية لضمان تواجد أكبر للشركات وللمنتجات التونسية في الأسواق الأفريقية، فأفريقيا تفوق في مساحتها وعدد سكانها بثلاث مرات القارة الأوروبية.

لكن ما يعيق هذا التعاون بين تونس والبلدان الأفريقية هو غياب اتفاقيات جمركية مشتركة ونقص فادح في الربط الجوي والبحري وغياب الفروع البنكية التونسية التي بإمكانها تسهيل المعاملات المالية التجارية.

خاتمة                                                    

بالرغم من هذا التدفق الكبير للاستثمار الخارجي في أفريقيا والذي أسهم في تسريع معدلات النمو في أغلب بلدانها، إلا أن كل انسحاب مفاجئ لرؤوس الأموال المتدفقة في حال وقوع تطورات أمنية في بعض الدول الأفريقية قد يؤدي الى انهيار هذا الاقتصاد أو ذاك وهو ما قد يعبّر عن هشاشة بعض الاقتصاديات الأفريقية وخاصة منها الريعيّة. إن تجنب مثل هذه المخاطر من ناحية، وتحقيق الاستفادة القصوى من الاستثمار الخارجي في تطوير الاقتصاد وتحقيق ثباته واستقراره في الدول الأفريقية من ناحية أخرى، يتطلب وضع إستراتيجية شاملة وسياسات راشدة توجه تدفقاته. كما أن العديد من الاقتصاديات الأفريقية، بالرغم من معدلات النمو العالية التي حققتها، لا تزال تعاني من ثقل العجلة الإدارية والحكومية وقدم أساليب العمل والإدارة، ففتح مكتب أو إطلاق مشروع تجاري يستغرق في بعض الدول الإفريقية فترة كافية لتلاشي وانهيار رأس المال ممّا يجعل من أفريقيا منطقة للاكتشاف أكثر منها للاستقرار والبناء فالاستثمار فيها يعد عند البعض مغامرة محفوفة بالمخاطر. فالتقارير الدولة حول الحرية الاقتصادية تعطي صورة قاتمة لمناخ الأعمال في إفريقيا وتصنّف العديد من الدول الإفريقية كدول غير حرة اقتصاديا ممّا لا يشجع الاستثمار الأجنبي على الاستقرار والبناء في هذه الدول فهو كالسحابة العابرة يتدفق على بلدان تتوفر فيهم المواد الأولية اللازمة، يحقق أرباح سريعة ويغادر الى بلدان أخرى.

الدّكتور رضا الشكندالي

عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

بعد منح الإعتمادات للتجار هل لاحظت إنخفاضاً في أسعار السلع التموينية؟

نعم - 0%
إلى حد ما - 19.6%
لا - 78.3%

مجموع الأصوات: 46
انتهت عملية التصويت في هذا الاستطلاع