أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الإثنين 15 أكتوير 2018.

مؤشرات انفراجة اقتصادية في ليبيا

 

 

مع الاستعداد لوقف الإنتاج في حقول الغاز الأساسية في ليبيا، من أجل القيام بأعمال صيانة، تُضاف عقبةٌ أخرى أمام قدرة البلد على مجابهة التحديات الاقتصادية التي تُعسر الحياة المعيشية للمواطنين من يوم إلى آخر. وأعلنت أخيرا شركة «ميليتة للنفط والغاز» وهي مؤسسة ليبية إيطالية، و»مؤسسة النفط الليبية» (قطاع عام) أن حقول الغاز التي تُديرانها في جنوب البلد، ستُقفل اعتبارا من بداية الشهر الحالي.
وكان مقررا أن تُقفل الحقول في أواخر شباط/فبراير الماضي، غير أن موجة البرد التي اجتاحت أوروبا طيلة الأسابيع الماضية، حملت شركة «ميليتة للنفط والغاز» على الاستمرار بتزويد زبائن ليبيا الأوروبيين، وخاصة إيطاليا، بالغاز الطبيعي، لا سيما أن مستوى الاستهلاك ارتفع بدرجات كبيرة بين كانون الثاني/يناير واذار/مارس.
وأوضحت مصادر ليبية أن الاقفال سيستمرُ على مدى أسبوعين، ويشمل محطة معالجة الغاز الطبيعي بميليتة وحقل الوفاء والمنصة البحرية في صبراتة، ما سينعكس سلبا في تامين الموارد اللازمة للحكومة المعترف بها دوليا برئاسة فايز السراج. وسيُضطر الإيطاليون خلال الأسبوعين المقبلين للتعويل على مخزونهم من الغاز الطبيعي. غير أن مصاعب الحكومة الليبية على هذا الصعيد لن تتوقف مع معاودة الإنتاج في الحقول بعد انتهاء أعمال الصيانة، إذ أن مجموعة «إيني» خططت لخفض منتوجها من النفط الليبي من 320 ألف برميل حاليا إلى 200 ألف برميل فقط، ما سيُؤدي إلى خفض حصة إيطاليا من المنتوج النفطي في ليبيا من 39 في المئة إلى 31 في المئة فقط. وتعمل «إيني» في ليبيا منذ 1959 وتخضع علاقاتها مع السلطات الليبية إلى ستة اتفاقات تخص أعمال التفتيش وضوابط الإنتاج. وتنتهي فعالية الاتفاق الخاص بالغاز الطبيعي في 2047 فيما تنتهي فعالية اتفاق النفط في 2042. واستطاعت المجموعة في الفترة الأخيرة المحافظة على مستوى إنتاج يُقدر بـ346 ألف برميل في اليوم، وهو أعلى مستوى منذ اندلاع الاضطرابات في ليبيا في العام 2011. إلا أن انطلاق الإنتاج في حقول جديدة، من ضمنها حقلٌ في مصر، جعلها تُخفف من اعتمادها على النفط الليبي، بالرغم من أنها وضعت خطة لزيادة منتوجها من النفط والغاز بنسبة 3.5 في المئة سنويا حتى 2021. وتُعزى مخاوف «إيني» والمجموعات الأجنبية الأخرى إلى عدم استقرار إنتاج ليبيا من النفط والغاز، بسبب اضطراب الأوضاع الأمنية في مناطق الإنتاج والمدن القريبة منها.

لأول مرة

ولأول مرة منذ سنوات، استطاعت ليبيا أن تحافظ على مستوى إنتاج يفوق 1 مليون برميل من النفط الخام يوميا خلال الأشهر الأولى من العام الجاري، ما أعطى أملا للمسؤولين عن قطاع النفط بزيادة الصادرات إلى أوروبا والولايات المتحدة، بالرغم من تراجع الصادرات نحو إيطاليا. وكان إنتاج ليبيا من النفط قبل الانتفاضة التي أطاحت بالزعيم الراحل معمر القذافي في 2011 يبلغ 1.6 مليون برميل في اليوم. أكثر من ذلك، أصدرت الوكالة الدولية للطاقة أخيرا تقريرا جديدا أكدت فيه أن قطاع النفط الليبي في صحة جيدة، مثلما يدلُ على ذلك تضاؤل عدد الانقطاعات، مع أن المعارك بين الفرقاء لم تنته تماما.
وأضاف التقرير أن التدفق الليبي نحو السوقين الأوروبية والأمريكية وصل إلى مستوى قريب من مستوى إنتاج السعودية، التي تتبوأ المركز الثالث بين مزودي أوروبا بالنفط، بعد كل من العراق وروسيا. واستطاعت ليبيا أن تزيد من حجم مبيعاتها إلى الولايات المتحدة في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي، قياسا على الفترة نفسها من العام 2016، بينما تراجعت الصادرات النفطية من البلدان الأعضاء في منظمة «الأوبك» وهي السعودية والعراق وفنزويلا. غير أن الصورة ليست كلها وردية، إذ أن غلق الحقل النفطي الليبي «الفيل» للشهر الثاني على التوالي، تسبب في خسارة لا تقل عن 145 مليون دولار حسب خبراء نفطيين. وما زالت حكومة الوفاق المعترف بها دوليا عاجزة عن معاودة فتح الحقل، الذي يقع على بعد 900 كيلومتر جنوب العاصمة طرابلس، بسبب مطالبة القائمين على الأمن في الحقل بصرف رواتبهم المُتأخرة. وتقول الحكومة إنها غير مسؤولة عن تأخير صرف الرواتب، وتعزو المسؤولية إلى «المؤسسة الوطنية للنفط» التي يتبعها حراس الحقل.
ومع أن أزمة الرواتب تشكل مصدر إزعاج وعنصر ضغط على الحكومة المعترف بها دوليا، فإنها مُطالبةٌ أيضا بالعمل على تأمين التمويل اللازم لمعاودة الإعمار. ويعيش مئات الآلاف من الليبيين لاجئين في ظروف قاسية في مدينتي طرابلس وبنغازي، ما يستوجب وضع خطة لإعادتهم إلى مدنهم وأحيائهم. والمُتوقع أن تكون الخطوة الأولى في هذا الاتجاه المؤتمر الدولي لمعاودة الإعمار الذي سيُعقد في بنغازي (شرق) ويستمرُ من 5 إلى 10 أيار/مايو المقبل. ويدعم هذه المبادرة كل من مجلس النواب (مقرُهُ في طبرق ـ شرق) ومصرف ليبيا المركزي وغرفة التجارة وجامعة بنغازي. وحسب المنظمين ستتضافر خلال المؤتمر جهود كل من السلطات المحلية (البلدية) ورجال الأعمال والجمعيات الأهلية، إلى جانب خبراء ومستشارين في مجالي الإعمار والتنمية.

خطة لمعاودة الإعمار

ويُؤمَلُ أن يساعد المؤتمر في وضع خطة اقتصادية وفنية لمعاودة إعمار بنغازي، التي دمرت المعارك كثيرا من أحيائها ومبانيها، مع تعديل القوانين الحالية لحفز الشركات الأجنبية والمحلية على المساهمة في خطة إعمار لا تقتصر على بنغازي، وإنما تشمل أيضا مدنا أخرى تضررت. وحسب ما قال مسؤولون في بلدية بنغازي ستُوزع أعمال المؤتمر على أربعة محاور أساسية هي أولا الجانب التشريعي ودوره في مسار معاودة البناء والإعمار، وثانيا المشورة الفنية، وثالثا دور الاقتصاد والاستثمار في التشجيع على الإعمار، ورابعا دور الموارد البشرية والعنصر الاجتماعي في التنمية والإعمار.
ولوحظ أن الفعاليات المرتبطة بتنمية البلد ومعاودة إعماره بدأت تكثر في بنغازي بشكل خاص، وكانت آخرها «جامعة الأعمال من أجل التطوير» التي استضافتها المدينة الليبية الثانية يوم 27 اذار/مارس، والتي تركزت أعمالها على بناء أسس المبادرة الاقتصادية الخاصة، في تعاون مع القطاع العام، وبشكل أخص حفز حماسة الشباب على التجديد والابتكار والريادة في الأعمال. وكشفت أعمال المؤتمر أن هناك قوى حية متحفزة لاجتراح نهضة اقتصادية، إلا أنها مُكبلة بفعل القوانين المُقيدة للنشاط والاستثمار، وهي قوانين تعود إلى فترة حكم النظام السابق. ويعتقد خبراء أن ليبيا قادرة على أن تُصبح بلدا جاذبا للسياح، أسوة بجارتيها تونس ومصر، لو لم يكن حبل الأمن مضطربا في غالبية مدنها. وبعدما كان عدد السياح الذين يزورون البلد لا يقل عن 100 ألف سائح في السنوات التي سبقت الانتفاضة في 2011، تراجعت إلى أدنى مستوياتها في السنوات الأخيرة، جراء مخاوف السياح ومكاتب السفريات من انخرام الأمن وتداعياته على السياحة. مع ذلك تملك ليبيا سواحل بكرا على المتوسط يصل طولها إلى 1750 كيلومترا، أي أنها أطول من سواحل تونس ومصر منفردتين المطلة على المتوسط.
ومع خروج ليبيا تدريجا من حال الحرب الأهلية، التي لم تمنحها الفرصة لالتقاط الأنفاس ورسم مستقبل اقتصادي يُخلص البلد من الاعتماد على تصدير المحروقات، يجري التفكير في تنويع مصادر الاقتصاد. وأظهرت دراسات جيولوجية ومُسوح فنية أجريت في مناطق ليبية مختلفة أن البلد ينام على احتياطات كبيرة من المعادن، مما يُشجع على تنويع الإنتاج المحلي، وإنهاء الاعتماد الكلي على صادرات النفط والغاز، ومنذ معاودة فتح ميناء بنغازي، أكبر موانئ ليبيا أمام السفن التجارية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بعد إقفال استمر منذ 2014، بات الميناء يشكل محرك التنمية في القسم الشرقي من البلد. وكان ميناء بنغازي يستقطب القسم الأكبر من المبادلات التجارية بين ليبيا والبلدان المتوسطية، قبل أن تتهم السلطات الجماعات المسلحة باستخدامه لإدخال السلاح وتغذية الصراعات في الشرق الليبي.
واستغرق تنظيف الميناء من ركام السفن المدمرة والذخائر المُهملة ستة أشهر من العمل. ويُتوقع أن يؤدي فتحه إلى خفض أسعار المنتوجات المستوردة، خاصة في الأمد القصير، بعد إعفاء المستوردات من الضرائب مؤقتا بُغية تنشيط الحركة الاقتصادية في المنطقة الشرقية. ويشتمل ميناء بنغازي على 18 منصة لرُسُو السفن، وهو قادر على معالجة أربعة ملايين طن من السلع في اليوم. ويلتقي هذا التطور المهم على صعيد البنية الأساسية مع أهداف المؤتمر الدولي لمعاودة الإعمار الذي تستضيفه بنغازي من 5 إلى 10 أيار/مايو المقبل، ما سيُشكل علامة رمزية مهمة على استئناف الوضع الطبيعي في عاصمة الشرق الليبي. لكن هذا التعافي لا يشمل جميع المدن الشرقية بسبب استمرار سيطرة ميليشيات مسلحة على بعضها، وكذلك وجود حواجز على الطرقات لا تسيطر عليها الدولة. في المُحصلة يمكن القول إن هناك مؤشرات على استفاقة اقتصادية نسبية في الشرق الليبي، تتزامن مع تحسين إيرادات البلد من صادرات النفط والغاز في الأمد المتوسط. لكن لا شيء يضمن أن هذه الانفراجة الصغيرة ستُمكن من مُعالجة التحديات الأخرى التي يُجابهها الاقتصاد الليبي، والمتمثلة خاصة في ارتفاع حجم الرواتب والتضخم وانزلاق قيمة الدينار وشح السيولة في المصارف، فضلا عن استمرار التحديات الأمنية التي تُغذيها أطراف داخلية وخارجية.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

بعد منح الإعتمادات للتجار هل لاحظت إنخفاضاً في أسعار السلع التموينية؟

نعم - 0%
إلى حد ما - 19.6%
لا - 78.3%

مجموع الأصوات: 46
انتهت عملية التصويت في هذا الاستطلاع