أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الإثنين 15 أكتوير 2018.

الضباط العرب في الجيش العثماني بين الولاء المقدس للسلطان العثمانى و الولاء للقومية العربية


    كيف تحول الضباط العرب  في الجيش العثمانى  من الولاء المقدس للسلطان العثمانى بوصفه خليفة المسلمين إلى محاربة سياسة التتريك والسعى إلى استقلال الدول العربية وفكرة القومية العربية مع بدايات القرن العشرين ؟

في جو مشحون بالتمردات والاضطرابات والحروب في الحقبة الأخيرة من عمر الامبراطورية العثمانية فرضت الاصلاحات نفسها على الواقع المتدهور للإمبراطورية العثمانية ومن المؤسف أن الاصلاحات التى طالب بها المصلحون والمفكرون على مدى قرنيين دون أن يستجب لها السلاطين العثمانيين جاءت في ظروف الضعف البالغ للدولة العثمانية حيث كانت قد أفلست والموارد قد قلت وحدود الدولة هُددت والهزائم قد تكررت وهو ما سمح للدول الأوربية بالتدخل السافر في شئون الدولة وفرض ما يناسبها ويتماشى مع مصالحها من حلول إصلاحية والتى لم تكن والحال هكذا فرضا داخليا فحسب بل فرضاً خارجياً أيضا تم بضغوط القناصل الأوربيين في أسطنبول وحقق لهم ما يبغون في مجالات عدة منها تأكيد العمل بالإمتيازات الأجنبية والتى تتمتع بمكاسبها الاقتصادية والوصاية على الأقليات الدينية العثمانية وربط المؤسسات العثمانية الجديدة ومنها الجيش بشبكة علاقات تبعية فكرية لأوربا .وهكذا ومنذ البداية ارتبط الاصلاح الذى هو في الواقع حاجة داخلية بضغوط الدول الأوربية التى كانت تنظر للدولة العثمانية كالرجل المريض .في هذا الجو تحرك الجيش العثمانى ليعلب دورا سياسيا كان مقدرا لها أن يلعبه طالما أصبح هم التغيير متعلقا به وبقي الطابع العسكرى طاغياً على بنية الإمبراطورية العثمانية .فبعد إلغاء الجيش الإنكشارى عام 1826 م جاءت بعد محاولة تنظيم المؤسسة العسكرية العثمانية الجديدة وفق نمط علاقات ونظم ومبادئ جديدة فرضتها ظروف التدريب والتعليم عى يد خبراء عسكريين أوربيين نقلوا معهم إلى جانب التقنيات العسكرية الحديثة أفكارًا تحررية ودستورية  لنظام الاستبداد المستحكم بنموذج الدولة السلطانية ونقلوا الأفكار القومية التى بنيت عليها الدول الأوربية الناشئة عبر الضباط العثمانيين الجدد من دولة قائمة على الرابط الدينى إلى القومى .

وفي هذه الأجواء تحركت قوى التغيير من داخل الجيش فبدأت بالانقلابات ضد السلطان عبدالعزيز وقتله عام 1876م ثم الانقلاب ضد السلطان مراد وعزله عام 1876أيضًا ثم الانقلاب الدستورى 1908 ثم انقلاب ( الأخوة المحمدية عام 1909م) ثم انقلاب الجنرال محمود شوكت 1909م ثم انقلاب عصبة ضباط الانقاذ عام 1912م وانقلاب الباب العالى 1913م  .

وينبغى الإشارة إلى أن أخطر الانقلابات العسكرية التى شهدها التاريخ العثمانى هو الانقلاب الذى تم على السلطان عبدالحميد الثانى عام 1909 م الذى كان من صنع وقيادة الفريق محمود شوكت سليمان العراقي البغدادى الفاروقي الذى كان من قادة الاتحاد والترقي وهو الذى زحف على رأس الجيش الثالث من ولاية سولانيك إلى الأستانة ودخلها عنوة وخلع السلطان عبد الحميد وولى مكانه محمد رشاد وتشكلت الحكومة برئاسة حقي باشا وكان وزيرًا للحربية ثم أسندت إليه الصدارة العظمى في أواخر عام 1912م وعندما عارض محمود شوكت باشا سياسة التتريك العنصرية ضد العرب من جهة وعارض إصرارهم على التحالف المطلق مع الألمان من جهة أخرى اغتاله الاتحاديون أمام وارة الحربية عام 1913م .

فقد حدث سبعة انقلابات عسكرية خمسة منها وقعت في أقل من خمس سنوات شارك فيها ضباط عرب في الجيش العثمانى وذلك بعد أن بدأت حملة التتريك التى تبناها الاتحاديون وتعاظم الدور والمهمة باحتلال إيطاليا لطرابلس عام 1911م وتقاعس الاتحاديين عن الدفاع عنها .مما جعل الضباط العرب ينظمون أنفسهم عبر قنوات رسمية أولاً ( مجلس المبعوثان والأحزاب العلنية ) ثم سريا عبر الجمعيات السرية   وبذلك تفكك ولاء الضباط العرب من الولاء المقدس الدينى للسلطان إلى الولاء للرابط القومى العربي ووحدة الأقطار العربية  بعد أربعة قرون من الولاءالتام للسلطان والدولة العثمانىة .

بدأ التصدع في الجيش العثمانى والصراع بين الضباط العرب والترك منذ القرار التى تورطت فيه الحكومة العثمانية عام 1864م بجعل اللغة التركية لغة رسمية على نطاق واسع في بلاد الشام وكان أكثر كبار الموظفين الاتراك يجهلون اللغة العربية جهلًا تامًا مع إهمال اللغة العربية والبدء في سياسة تتريك شعوب  الامبراطورية العثمانية أُتيحت الفرصة  لمراكز أساسية لتدريس اللغة العربية ولعب المسيحيون العرب دورًا رئيسًا في إحياء الدراسات العربية حيث تأسست ( جمعية بيروت السرية ) عام 1875م على يد خمسة شباب عرب من خريجى الكلية البروتستنانتية السورية ببيروت ( الجامعة الأمريكية حاليًا ) وفي الحادى والعشرين من كانون الأول ديسمبر 1880 م وزعت الجمعية منشورها في شكل منشور عُلق على جدران بيروت وتضمن استقلال سوريا متحدة مع جبل لبنان والاعتراف باللغة العربية لغة رسمية للبلاد ورفع الرقابة والقيود التى تحد من حرية التعبير والنشر واستخدام القوات المجندة العربية في المهام العسكرية الداخلية فقط  .

وكان هذا أول منشور سياسي يذكر فيه اسم العسكريين العرب ويبدو أن الأتراك كانوا يخشون من حركة تمرد من العسكريين العرب فتم نشرهم في المناطق النائية للإمبراطورية العثمانية أو في العاصمة إسطنبول .

وأدرك السلطان عبدالحميد الثانى ( 1876- 1909م ) فداحة أخطاء السياسية العثمانية تجاه العرب وتماشيًا مع شعار ( الجامعة الاسلامية ) التى دعى لهاوعلمه بأهمية العنصر العربي ودوره الحضارى والثقافى والدينى وأن البلاد العربية هدفًا للإستعمار الأوربي لذلك اختار كبار رجاله من العرب فكان من حرسه الخاص محمد باشا ومحيي الدين باشا ابنا الأمير عبد القادر الجزائرى وفؤاد باشا المصري  والمشير أركان حرب شفيق باشا وأخوه الفريق وهيب باشا وهما من لبنان كما عين شكرى باشا الأيوبي الدمشقى وزيرا للحربية وخير الدين باشا التونسي صدرًا أعظم عام 1878م وكان مستشاره الشيخ أبو الهدى الصيادى من حلب . وفي خطوة باتجاه وحدة الدم التركى مع العرب زوج أميرتين من أسرته لشابين عربيين هما الأمير عبدالمجيد بن الشريف على حيدر وصالح بك خير الدين التونسي .

ولقد بدأ السلطان عبد الحميد بإرضاء كل العثمانيين حيث وافق على إقرار دستور مدحت باشا  وافتتح لأول مرة برلمانًا عثمانيًا سُمى ب( مجلس المبعوثان ) ووضعت برامج اصلاحية مهمة ولكن الأمر لم يستمر كثيراً فسرعان ما أوقف السلطان عبدالحميد الدستور وسجن مدحت باشا ونفاه وعادت الدولة العثمانية إلى مرحلة السلطة المركزية وساهم العرب في صحافاتهمالمعارضة للعثمانيين مثل مجلة المنار لرشيد رضا والمقتبس لمحمد كرد على والمقطم والمعتصم والأهرام  ومن أشهر المساهمات العربية  المعارضة مؤلفات المفكر عبدالرحمن الكواكبي ( 1854- 1902) في كتابه (أم القري) لخص فيه فكرة الخلافة الإسلامية أنها يجب أن تكون في العرب وكتابه الثانى (طبائع الاستبداد) طالب فيه أن تناهض الأمة الاستبداد العثمانى .

ورغم ميل السلطان عبدالحميد إلى دمج العرب في نظام الحكم العثمانى إلا أنهم قادوا انقلابا أطاح به قام به الجنرال العراقي محمود شوكت وبمساعدة ضباط عرب أخرين منهم العقيد عزيز على المصري وإعطاء الحكم للإتحاديين الذين بدورهم أبعدوا العر ب فقاموا بإغلاق نادى ( جمعية الإخاء العربي العثمانى ) وكان لذلك رد فعل من المسيحيين العرب بقيادة المطران شفيق ندرة بالتعاون مع الجمعية اللبنانية في باريس (التى كان يرأسها شكرى غانم)تم تأسيس الجمعية المركزية السورية التى طالبت باستقلال ذاتى للمقاطعات العربية وهددت بالاستعانة بالدول الكبري .

ثم اشترك العرب في تأسيس ( الجمعية القحطانية ) 1909 هدفها تحويل الامبراطورية العثمانية إلى تركية عربية ومؤسسها سليم الجزائرى والأمير عادل أرسلان وعزيز على المصري وضمت الجمعية نسبة كبيرة من الضباط العرب ووزعت منشورها على الولايات العربية طالبتبإسقاط الاتحاديين واشراك الضباط العرب في عمل دستورحقيقي وأن تحصر مهمة الضباط العرب على خدمة بلادهم .

ثم شرع سرًا العقيد عزيز على المصري ومعه عدد من الضباط العراقيين في تأسيس ذراع عسكرى عربي لجمعيات الجمعية القحطانية والجمعية العربية الفتاه  فأسس نادى الضباط العرب  ثم جمعية   العهد العسكرية بعد انقلاب 1913 م مع ياسين الهاشمى وسليم الجزائرى وغيرهم  وهى جمعية عسكرية سرية وكانت تهدف الاستقلال الداخلى للبلاد العربية واكتشف أمر هذه الجمعية وتم اعتقال قادتها وإبعاد الضبط  العرب من القيادة العامة للجيش العثمانى حيث اعتقل عزيز المصري في شباط فبراير 1914. مما أدى لغضب الضباط العرب على الاجراءات العثمانية فأرسلت الجمعية العربية الفتاه في كانون الثانى يناير 1915 فوزى بكرى إلى الشريف حسين بغرض أخذ رأيه في التمرد على الاتراك في سوريا والعراق ورحب الشريف حسين بالفكرة وتبادل الرسائل مع مكماهون للتنسيق لثورة عربية ضد الحكم العثمانى واتصل مع الجمعيات مثل العهد والعربية الفتاة لتنسيق معهم ثم كان إعدام الجنرال جمال باشا قائد الجيش العثمانى الرابع في الشام لتضع النار على الزيت وطالت الاعدامات صفوف الجمعيات العربية المناهضة للحكم العثمانى وأعلن الشريف حسين الثورة في حُزيران (يونيو) 1916 فكان الضباط والجنود العرب يفرون من الجيش العثمانى للإلتحاق بالشريف حسين أو الانجليز و تكونت أول حكومة عربية في الرابع من تشرين الثانى / نوفمبر 1916وعين عزيز على المصرى وزيرًا للحربية فيها وحاول أن يؤسس جيشا عربيا محترفا بالتعاون مع الشريف حسين ولكنهما تشاجرا.

وأصدر الانجليز المذكرة المشتركة في 23 من تموز(يوليو) 1918 م التى تؤكد استقلال العرب وتدعو للثورة على الاتراك فتوجهت بعثة إلى سوريا بقيادة الشريف ناصر قائد الحملة الشمالية ورافقها لورانس ضابط المخابرات البريطانى وتكاثر التحاق العرب بالجيش العربي حتى صيف 1918 كانت معظم قوات فيصل بن الشريف حسين  من السوريين وعمل لورانس كمستشار لفيصل وبدخول القوات العربية البريطانية دمشق في الأول من تشرين الأول / أكتوبر عام 1918 واحتلال دمشق بداية نهاية العلاقات العربية التركية التى استمرت أكثر من أربعة قرون .

فاتجه الضباط العرب في الجيش العثمانى لفكرة القومية العربية التى كانت مأخوذه من الفكر الأوربي آنذاك وضربت فكرة الجامعة الاسلامية والخلافة الاسلامية لتفتيت القوة التى كانت أقوى قوة في القرن السابع عشر والثامن عشر في العالم وهى الدولة العثمانية .

أضف تعليق


كود امني
تحديث

بعد منح الإعتمادات للتجار هل لاحظت إنخفاضاً في أسعار السلع التموينية؟

نعم - 0%
إلى حد ما - 19.6%
لا - 78.3%

مجموع الأصوات: 46
انتهت عملية التصويت في هذا الاستطلاع