أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الجمعة 25 مايو 2018.

حرب الغاز الإقتصادية في منطقة الشرق الأوسط

مما لا شك فيه تعد الثروات الطبيعة منها الغاز و النفط أهم المصادر الرئيسية للثروة الوطنية.

كما تبين اليوم أن الصراعات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط و خاصة منها ملف دولة سورية الضحية للأطماع الدولية المصدر الأساس في هذا الصراع الإقليمي للسيطرة علي المناطق الجغرافية لتسهيل مرور مصادر الطاقة إلي الدول المستهلكة.

إذ أصبح رهان وضع اليد علي دولة سورية مكسب مالي و ثورة كبري باعتبارها موقع إستراتيجي لتسهيل العمليات التجارية خاصة في مجال الطاقة. بالتالي يمكن القول اليوم أن ما حدث في سورية خلال السبعة سنوات الماضية و مازال يحدث إلي يومنا هذا من ظلم بعد القوي العظمي التي خربت بنيتها التحتية و شردت شعبها هو نتيجة للسيطرة علي النفوذ الإقليمي لإشباع رغباتها و أطماعها الإقتصادية التي تخدم مصالحها الشخصية فقط.

إن الحروب العصرية أخذت طابع جديد و متنوع منها الحروب التي تدار بالوكالة عن طريق عصابات و مجموعة إرهابية أو عملاء و التي أغلبها تحقق للقوي العظمي انتصارات ضخمة بأقل خسائر ممكنة. كذلك الحروب الإعلامية و النفسية التي تشن عبر وسطاء قصد تأليب و تغليط الرأي العام المحلي و الأجنبي و خلق الفوضي و بما يسموها هم ثورات الربيع و نشر الديمقراطية إلا أن هذا القناع سقط و تبين مدي سيطرة هذه القوي علي بعض الأنظمة السياسية و التحكم فيها عن بعد.

و بالعودة للحدث الرئيسي و الأهم و الذي هو محل صراع قائم بمنطقة الشرق الأوسط و ذلك عبر بروز مصطلح جديد يسمي بحرب الغاز الإقتصادية. إذ هذا الملف الذي أخذ بعد سياسي دولي تتشابك فيه المصالح الإقتصادية و العلاقات الدولية. إذ قبل اندلاع الثورات العربية قدمت دولة قطر مشروع مد أنابيب الغاز عبر الأراضي السعودية ثم الأردنية مرورا بسوريا و تركيا قصد تصديره للإتحاد الأوروبي المستهلك الأكبر للغاز الطبيعي لكن فشلت الصفقة نظرا لتقارب مصالح الرئيس بشار الأسد مع المصالح الروسية و الإيرانية.

كما تقدمت تركيا في هذا الصدد سنة 2005 بإنشاء المشروع الضخم و المعروف بنابوكو للغاز و الذي شاركت فيه إسرائيل عبر وزيرها للطاقة السابق بنيامين باليعازر لكن تم تجميد بعد ذلك هذا المشروع و من المعروف أن تركيا لا تملك الغاز بحيث لديها فقط ما يقارب 10% من إحتياطي الغاز الطبيعي يقتصر فقط علي الإستهلاك المحلي و السؤال المطروح لمن هذا المشروع الذي يحمل إسم إسرائيلي.

و مؤخرا تبين هذا المخطط الإستراتيجي الكبير و ذلك مع بداية سنة 2011, بحيث تحولت دولة إسرائيل العظمي في ليلة  وضحاها بعد الخراب العربي الكبير المعروف بالثورات العربية إلي إمبراطورية غاز طبيعي تملك أضخم احتياطي من الغاز للتحول بذلك إلي أكبر مصدر لهذه الطاقة في منطقة الشرق الأوسط. إذ انطلقت العملية باكتشاف مجموعة من الحقول للغاز في البحر الأبيض المتوسط و هي إلي الآن مشكوك في ملكيتها نظرا لتقسيم المياه الإقليمية و الإقتصادية و إحتساب أقرب نقطة في المسافة بين الحقل و الأراضي الترابية.

نذكر من بين هذه الآبار الضخمة حقل الغاز نيفاثان و هو الأكبر و الذي يحتوي علي أكثر من 400 مليار متر مكعب و حقل شمشون القريب جغرافيا من مصر إلا أنهما حسب التقسيم الجغرافي يعودا إلي ملكية دولة مصر لكن قوة و غطرسة دولة إسرائيل انتصرت في هذه الصفقة الإستعمارية علي مصادر الطاقة.

أيضا حقل تمار القريب لسواحل لبنان و الذي احتلته إسرائيل بتعلة أنه من اكتشافاتها أما الحقل الذي يعتبر الأبعد في مياه البحر الأبيض المتوسط و هو حقل ديفروت القريب من جزيرة قبرص و الذي تعتبره إسرائيل أنه في نطاق مياهها الإقليمية و لا يمكن بأي حال من الأحوال بالتخلي عنه لصالح دولة قبرص. هذه الثروة الهائلة من إحتياطي الغاز حول إسرائيل إلي أكبر دولة منتجة للغاز في الشرق الأوسط. لكن هنا يكمن مربط الفرص فلمن ستصدر هذه الثروة الطبيعية الطائلة و التي ستعود لخزينة إسرائيل بالمليارات أو حتي بالتريليونات من الدولارات. في هذا الصدد تسارعت إنجازات المشاريع التخطيطية و الإستراتيجية لتصدير الغاز إلي المستهلك الأكبر لهذه الطاقة وهي أسواق الإتحاد الأوروبي المربحة.

فالعائق هنا تبقي المسافة إذ تشير الدراسات الحديثة في هذا المجال أن كلفة مد خط أنبوب غاز بحري مباشر إلي اليونان يتكلف قرابة 7 مليارات دولار و مدة زمنية تصل 10 سنوات نظرا لبعد المسافة التي تصل إلي أكثر من 2200 كلم. أما بخصوص تصدير الغاز عبر جزيرة قبرص أو لبنان أو سورية يعتبر مستحيلا نظرا لرفض هذا الملف الذي لا يمثل شريك إقتصادي لدولة إسرائيل نظرا لتجريم التطبيع بين هذه الدول أو منافسة لهذا المشروع التصديري للغاز خاصة مع دولة قبرص.

فمؤخرا عقدت صفقة إقتصادية ضخمة لتصدير الغاز الإسرائيلي نحو مصر و الذي إعتبارها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نصرا عظيما تم تحقيقه في عهدته و يوم عيد لدولة إسرائيل كلها و ذلك بصفقة اقتصادية لتصدير 64 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي علي مدة 10 سنوات مقابل 15 مليار دولار.

أما المخزون الإسرائيلي من الغاز مازال كبيرا جدا و نتنياهو يحلم بإنجاز تاريخي له يعود علي دولة إسرائيل بالرفاهية و يحولها إلي إمبراطورية إقتصادية و مصدر ثروة مالية تجعلها مثل سويسرا يعيش شعبها بدخل فردي مرتفع و ممتاز. هنا في هذا الصدد تتحول القضية إلي صراع إقليمي في المنطقة برمتها نظرا لتشابك المصالح الإقتصادية بإعتبار روسيا المزود الرئيسي للإتحاد الأوروبي عبر غازبروم بنسبة 30% و أيضا لمشروع الغاز الإسلامي الذي تعده حاليا إيران بالتنسيق مع روسيا و تركيا في إطار التحالف الدولي الحالي بين هذه الدول الثلاثة.

إذ يعتبر مشروع تصدير الغاز الإيراني عبر الأراضي العراقية ثم التركية و إلي الإتحاد الأوروبي أقرب مشروع للإنجاز لكن يبقي عائق معبر العراق التي ترفض حاليا الحكومة العراقية مرور تلك الأنابيب علي أراضيها و ذلك تحت ضغوطات أمريكية و إسرائيلية. أما مشروع قطر فقد دفن نظرا للأزمة القطرية مع الدول الخليجية و قطع جميع العلاقات الإقتصادية و الدبلوماسية معها و فرض عليها حصار جائر عطل جميع مصالحها التجارية و نفوذها الإقليمي في المنطقة خاصة منها مشروع تصدير الغاز نحو الإتحاد الأوروبي.

ومصائب قوم عند قوما منافع بحيث يبقي مشروع دولة إسرائيل العظمي في المنطقة بمخزونها من الغاز الطبيعي الكبير أقوي و أقرب مشروع للتنفيذ علي أرض الواقع حاليا. بالتالي تتحول تلك الدولة الصغيرة في الحجم إلي أكبر دولة منافسة للغاز الروسي و مصدرة لهذه الطاقة في منطقة الشرق الأوسط إلي الإتحاد الأوروبي.

علي الرغم من الصادرات الضخمة للغاز الروسي نحو الإتحاد الأوروبي إلا أن هذا الأخير يحتاج إلي ضخ المزيد من الغاز خاصة عبر أنابيب الغاز النرويجي و مشروع المغرب للطاقة الذي يوفر كميات ضخمة من الغاز الإفريقي عبر أراضيها نحو إسبانيا ثم الإتحاد الأوروبي. لكن يبقي غاز منطقة الشرق الأوسط الأهم في هذه الصفقة الإقتصادية و الذي يشهد حرب حقيقية بين إسرائيل و إيران و قطر بحيث وقعت سورية ضحية لتلك التجاذبات و الصراعات الإقليمية.

كما أن أزمة قطر مع دول مجلس التعاون الخليجي عطلت تنفيذ هذا المشروع الطموح و حول إهتمامها بتصدير الغاز الطبيعي عبر مد أنابيب غاز نحو دول جنوب شرق آسيا و التي تعتبر سوق إقتصادي واعد و صاعد يحقق لدولة قطر أرباح مالية ضخمة و صفقة تجارية محترمة. و تعتبر الحرب القادمة القريبة للتخلص من نظام بشار الأسد الأهم في المنطقة لأنه يمثل مصدر الصراع الحقيقي خاصة بين إيران و روسيا من جهة و أمريكا و إسرائيل من جهة اخري.

فالرابح الأكبر في هذه الصفقة سيحقق نصرا إقتصادي و مالي لا مثيل له في منطقة الشرق الأوسط. كما أنه من المؤكد أن إسرائيل ستدخل الحرب القادمة ضد سوريا خاصة أنها تعد إستعداد عسكري ضخم علي هضبة الجولان و ذلك عبر التدريبات العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة الأمريكية و كذلك تكثيفها لتحليق الطياران الجوي علي الأجواء السورية و خاصة ضربها مؤخرا مطار تي فور السوري.

إذ تبين بالكاشف أطماع إسرائيل الإقتصادية و الجيوسياسية للحصول علي جزء من الكعكة لتنفيذ مشروع القرن بتصدير الغاز نحو الإتحاد الأوروبي عبر الأراضي السورية ثم تركيا و تنفيذ مشروع خط نابوكو لأنابيب الغاز التركية الأوروبية. أما الصراع الإيراني مازال قائم نظرا لتشبث هذا الأخير بتنفيذ مشروعه المسمي بخط أنابيب الغاز الإسلامي بالتنسيق مع تحالفها الثلاثي مع روسيا و تركيا. فهل سيحقق بنيامين نتنياهو النصر الأعظم في هذه الصفقة التاريخية خاصة بعد فوزه في صفقة ضم القدس لإسرائيل ثم التخطيط لصفقة القرن الإسرائيلية- الأمريكية لإيجاد وطن بديل للفلسطنيين؟.

أما الأهم في حرب الغاز الإقتصادية في منطقة الشرق الأوسط يبقي الملف السوري المتمثل في الرهان الجيو إستراتيجي للسيطرة علي تلك المنطقة برمتها و بالتالي وتحقيق معجزة الإزدهار الإقتصادي و المكاسب المالية الضخمة المتأتية من عوائد صادرات الغاز الطبيعي.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

بعد منح الإعتمادات للتجار هل لاحظت إنخفاضاً في أسعار السلع التموينية؟