أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأربعاء 15 أغسطس 2018.

لعبة المصالح تدفع واشنطن لمزاحمة باريس وروما في ليبيا

فرنسا متخوفة من دخول الولايات المتحدة بكامل ثقلها على خط الأزمة الليبية بعد إعلان الرئيس الأميركي عن دعمه لتنظيم روما مؤتمرا دوليا ينظر في الأزمة الليبية كبديل لمخرجات باريس.

طرابلس – يشغل التقارب الأميركي الإيطالي بشأن الأزمة الليبية الذي حدّدت معالمه بأكثر وضوح لقاء جمع دونالد ترامب برئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي في البيت الأبيض، فرنسا والليبيين على حد السواء في ظلّ الحديث عن ميلاد معادلات سياسية قد تُفضي إلى خلط الأوراق من جديد وهو ما قد ينسف بالنهاية مخرجات لقاء باريس الشهير بين السراج وحفتر.

وتتأتى مخاوف باريس من دخول الولايات المتحدة بكامل ثقلها على خط الأزمة الليبية تحديدا من إعلان الرئيس الأميركي الأسبوع الماضي عن دعمه لتنظيم روما مؤتمرا دوليا ينظر في الأزمة الليبية كبديل لمخرجات باريس التي وضعت مرتكزات خارطة طريق الانتخابات البرلمانية والرئاسية قبل نهاية عام 2018.

ويعتبر العديد من المراقبين أن خطة الإليزيه لحلحلة الأزمة الليبية قد اصطدمت في ظرف وجيز بمطبّين؛ أولهما الدعم المعلن من قبل واشنطن لتصورات روما الداعية للتريّث وإرجاء الانتخابات، إضافة إلى فشل برلمان طبرق (شرق ليبيا) في المصادقة على مشروع قانون الاستفتاء على الدستور.

ورغم محاولات فرنسا النزول بكامل ثقلها لإقناع الفرقاء الليبيين بوجوب المصادقة على مشروع قانون الاستفتاء على الدستور إثر زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إلى ليبيا في شهر يوليو، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل عقب إعلان مجلس النواب الليبي فقط عن جلسة لمناقشة مشروع القانون المطروح دون الإعراب عن تبني بنوده أو محاولة التسريع في التصويت عليه.

وأثار المعارضون لمسودة الدستور نقطة خلافية أفشلت اجتماع مجلس نواب طبرق عبر انتقاد بند يتعارض وفق تصوراتهم مع الإعلان الدستوري الذي صيغ في عام 2011 عقب الإطاحة بنظام معمّر القذافي، وتتعلق النقطة الخلافية بتشكيل لجنة جديدة لصياغة الدستور في حال صوّت الليبيون ضد مسودة الدستور المقترحة من لجنة الستين (الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور).

ونظرا لاشتراط الإعلان الدستوري 2011، لإقرار أي قانون، حصوله على أغلبية الثلثين، فإنه من المستبعد إقرار مشروع قانون الاستفتاء على الدستور، خاصة وأن عدد النواب الحاضرين في جلسة الأسبوع الماضي، لم يتجاوز 104 فقط من إجمالي 200 نائب. ووفق خارطة الطريق التي أقرها اجتماع باريس في مايو الماضي، يفترض أن تتم المصادقة على القوانين المتعلقة بتنظيم الانتخابات (الاستفتاء على الدستور، الرئاسية والبرلمانية) قبل 16 سبتمبر المقبل.

ويعتقد الكثير من المتابعين لعمق الأزمة الليبية، أنّ بداية دخول واشنطن لسحب البساط من تحت أقدام قادة باريس في علاقة بالملف الليبي لم تكن وليدة لقاء ترامب بجوزيبي كونتي فحسب، بل إن ملامحها كانت جلية منذ تعيين القائمة بأعمال السفارة الأميركية في طرابلس ستيفاني ويليامز نائبة لرئيس البعثة الأممية غسان سلامة.

وتتّهم باريس كلا من روما وواشنطن بمحاولة قلب الطاولة على الخطة الفرنسية والأممية التي توصّلت إلى العديد من التوافقات بين الفرقاء الليبيين بعد فشل مفاوضات الصخيرات في المغرب، فيما اتّهم المبعوث الأممي غسان سلامة في تقرير سابق أمام مجلس الأمن نواب البرلمان اللّيبي بطبرق بتعطيل عملية إجراء الانتخابات.

وقال خالد الغويل الناشط السياسي الليبي إنّ تطورات الأزمة الليبية لا تنذر سوى بمزيد تعقّدها، خاصة بعد دخول الولايات المتحدة بكامل ثقلها على خط الأزمة بمناصرة المواقف الإيطالية.

وأضاف الغويل في تصريح لـ”العرب” أن الولايات المتحدة الأميركية شأنها شأن فرنسا أو إيطاليا تريد الاستحواذ على الملف الليبي لفائدتها لحماية مصالحها خاصة أن الكل يوجّه بوصلته إلى استقطاب من سيحكم ليبيا بعد الانتخابات.

ودعا الغويل إلى وجوب أن تنآى الدول العظمى عن التدخّل في شؤون الليبيين الذين يقدرون لوحدهم إدارة الأزمات السياسية التي نخرت البلاد منذ عام 2011، قائلا “لا نعترف إلا بالتدخّل الأممي، أما بقية الوساطات الدولية الأخرى فهي لخدمة أجندات لا تخدم مصالح الشعب الليبي”.

وأكّد السياسي الليبي أن تدخّل الولايات المتحدة سيعمّق الأزمة، مشيرا إلى أن أميركا وضعت قدما في قلب الأزمة الليبية منذ تعيين أنطونيو غوتيريس للقائمة بأعمال السفارة الأميركية في طرابلس ستيفاني ويليامز نائبة لرئيس البعثة الأممية غسان سلامة.

وقال الغويل إن ويليامز افتكّت على أرض الواقع الملف الليبي من غسان سلامة من خلال تحركاتها التي اقتصرت على طرابلس ولم تشمل شرق البلاد.

باريس اللاعب الأساسي

وفي سياق الوساطات الأجنبية في الأزمة الليبية، يذكر أن رئيس حكومة الوفاق الليبية كان قد طلب من تونس وجوب التفكير في حلول خارج لعبة الصندوق والانتخابات لإنهاء العرقلة المستمرة والمتزايدة من قبل مجلس النواب بطبرق.

ويرجّح الكثير من المتابعين أن يلقى إعلان باريس نفس مصير اتفاق الصخيرات، الموقع في ديسمبر 2015، والذي نجح مجلس النواب في إفشاله بعد رفضه اعتماد حكومة الوفاق حتى الآن. وقال الناشط السياسي والحقوقي التونسي والخبير في الشؤون الليبية، مصطفى عبدالكبير في تصريح لـ”العرب” إن تشابك الأطراف المتداخلة في الملف الليبي بدخول واشنطن بثقلها لمساندة المواقف الإيطالية على حساب اتفاقات اجتماع باريس الشهير سيزيد في لخبطة الوضع ودفع البلاد من الناحية السياسية إلى المجهول.

وأكّد عبدالكبير أن الولايات المتحدة الأميركية تعي جيّدا أن فرنسا تفكّر مليا في ما سيعقب إجراء انتخابات محتملة في ليبيا قبيل نهاية عام 2018، أي بمعنى أن باريس تسعى بدورها جاهدة إلى ضمان إمساك أحد الأطراف المقرّبة منها بمقاليد الحكم في ليبيا.

وأشار إلى أن كل الوساطات الخارجة عن إطار منظمة الأمم المتحدة لا تهدف إلى مساعدة الليبيين بل إلى ضمان مصالح اقتصادية وإستراتيجية في ليبيا الغنية بالمواد الطبيعية وبمكانها الجغرافي المناسب والمطل على البحر المتوسّط، مرجحا أن تلقى وساطة باريس نفس مصير مفاوضات الصخيرات بالمغرب عام 2015.

وخلال قيام الثورة الليبية في 2011، قادت فرنسا التحالف الدولي الذي تشكل حينها للإطاحة بنظام معمر القذافي، ولعبت باريس دورا مركزيا في الأزمة الليبية سياسيا وحتى عسكريا، من خلال نشاط قواتها الخاصة في مدينة بنغازي (شرق البلاد)، ومنطقة جنوب غربي ليبيا، التي تنشط بها جماعات مسلحة لها امتدادات في شمالي مالي والنيجر، حيث تتواجد قوات ومصالح فرنسية في هذه المنطقة.

واصطدم النفوذ الفرنسي في ليبيا بوصول حكومة يمينية شعبوية في إيطاليا يقودها جوزيبي كونتي منذ يونيو الماضي، وهو ما زاد في حدة التوتّر والصراع بين روما وباريس للظفر بغنائم ليبيا المنقسمة من الناحية السياسية والتي تكتنز أكبر احتياطي نفطي في القارة الأفريقية.

وقال محمود المصراتي الناشط السياسي والكاتب الصحافي الليبي في تصريح لـ”العرب”، إن إخوان ليبيا يدفعون الليبيين دفعا إلى قراءات مخالفة للواقع، مشيرا إلى أن بعض الأطراف التي لا تريد التوصّل إلى استقرار سياسي في البلاد تروّج وتخوف الليبيين بالتدخّل الأميركي على خط الأزمة.

وأكّد المصراتي أن الإسلاميين تحديدا هم من يروجون قراءات مغلوطة لتحرّكات ترامب في علاقة بالأزمة الليبية من خلال تأويل قراءات لقائه برئيس الوزراء الإيطالي، مشدّدا على أن الليبيين غير مستعدين للقبول سوى بما تقره منظمة الأمم المتحدة الراعية للوساطة الليبية عبر مبعوثها غسان سلامة. ودعا إلى وجوب أن يأخذ الليبيون بأنفسهم الملف الشائك وأن يتخذوا القرارات الوطنية المناسبة التي يجب أن تخدم فقط مصالح الشعب الليبي ولا تصالح الدول العظمى المتسابقة على الظفر بجزء من الغنائم الاقتصادية والسياسية في ليبيا.

ويرجع الكثير من الملاحظين اشتداد التنافس بين القوى العظمي على ليبيا إلى كونها لا تعدّ مصدرا للثروة النفطية فحسب، بل لأنها أكبر مصدر للهجرة غير النظامية، التي تعتبر فيها إيطاليا أكبر دولة أوروبية مستقبلة للمهاجرين القادمين، ويفسرون ذلك بتصريحات كونتي، التي قال فيها “إن ماكرون سيكون مخطئا لو اعتقد أن ليبيا تخصه، فليبيا ليست له ولا لنا، بل هي دولة مستقلة لها علاقة مميزة تاريخيا مع إيطاليا أيضا، ولن نتخلى عنها أبدا”.

وهذا الخلاف حول ليبيا سبقه مؤخرا انتقاد لاذع من ماكرون للحكومة الإيطالية الجديدة، حينما وصفت فرنسا رفض روما استقبال سفينة لمنظمة إنسانية تحمل مهاجرين على متنها بأنه “معيب وغير مسؤول من الحكومة الإيطالية”.

وهذا الانتقاد الفرنسي الصريح لحكومة كونتي، فتح المجال للأخيرة بتوجيه انتقادات عديدة لماكرون وسياسته في ليبيا، بل دفع روما لحشد دبلوماسيتها في المنطقة والسعي لإفشال إعلان باريس، من خلال تأجيل الانتخابات من نهاية 2018 إلى 2019.

ما بشأن استغلال الولايات المتحدة للخلافات الأوروبية وتوظيفها سياسيا لصالحها، فقد جاءت في منطلقها منذ عدم إخفاء ترامب إعجابه بسياسة رئيس الوزراء الإيطالي الجديد، خاصة في ما يتعلق بتشدده حيال الهجرة.

وتعتبر الصحافة الفرنسية أن دعم الرئيس الأميركي لخطة كونتي في ليبيا، نابع من خلافه مع ماكرون، في قمة مجموعة السبع الأخيرة يونيو الماضي بكندا، والتي ميزها خلاف بشأن فرض واشنطن رسوما كبيرة على الصادرات الأوروبية من الفولاذ والألمنيوم، علاوة على الاستياء الفرنسي من انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ، ديسمبر 2017، حين وصف ماكرون ذلك بـ”العدائي”.

ترامب يوظف الخلافات الأوروبية

تجلى الانخراط الأميركي في الأزمة الليبية بعدما بعث ترامب رسالة إلى كل من السراج ورئيس مجلس النواب في طبرق عقيلة صالح، في يوليو الماضي، فحواها ضرورة حل أزمة النفط، وحينها تراجع خليفة حفتر قائد القوات المسيطرة على الشرق الليبي، عن تسليم موانئ الهلال النفطي لمؤسسة موازية في بنغازي، وأعادها لمؤسسة النفط الرسمية في طرابلس.

وفي سياق متّصل، فان النفوذ الأميركي مازال يتمدد في ليبيا عبر استمرار الطائرات الأميركية دون طيار في نشاطها في البلاد، حيث يتم الإعلان من حين إلى آخر عن قصف جوي يرجح أنه أميركي لمسلحين سواء في شرق أو وسط أو جنوب غرب ليبيا، علاوة على مشاركة الطيران الأميركي إلى جانب قوات حكومة الوفاق في دحر تنظيم داعش الإرهابي، في منطقة سرت وضواحيها في 2016.

أما بخصوص بدء الولايات المتحدة في محاولاتها لافتكاك الملف من باريس عبر مناصرة التوجهات الإيطالية فقد كان وفق الملاحظين مرتكزا بالأساس على انتقادات تقرير أعده أعضاء في مجلس الشيوخ الفرنسي لسياسة الرئيس إيمانويل ماكرون في ليبيا، وطلبوا فيه من ماكرون عدم الاستعجال في الدفع نحو إجراء انتخابات في هذا البلد في ديسمبر المقبل.

وكان نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ سيدريك بيران من حزب “الجمهوريين” المعارض قد قال “إن الدفع للحصول على كل شيء وعلى الفور، يؤدي بالتأكيد إلى الفشل، لا بد من تجنب المزج بين السرعة والاستعجال، وبين العمل”.

وكان الرئيس الفرنسي حصل من الأطراف الأربعة الرئيسية في الأزمة الليبية على اتفاق شفاهي من دون توقيع في التاسع والعشرين من مايو في باريس، لإجراء انتخابات في العاشر من ديسمبر، والتقدم نحو الخروج من الفوضى التي غرق فيها البلد على امتداد ثمانية أعوام.

وقال السناتور بيران “إن الدعوة إلى الانتخابات اليوم هي لإرضاء الرئيس الفرنسي أكثر منها لتسوية المشكلة الليبية”.

ويطالب بعض المسؤولين الليبيين بإقرار دستور قبل الانتخابات يحدد صلاحيات الرئيس الذي يفترض أن ينتخب أواخر السنة. وفي المقابل تعرقل العديد من القوى الأخرى الحل السياسي تخوفا من أن تفقد نفوذها خصوصا في إطار تقاسم الثروة النفطية.

ويعتبر مراقبون أن تأييد واشنطن وعلى رأسها ترامب بشكل تام للمقاربات الإيطالية بشأن الملف الليبي، يحمل بما لا يدع مجالا للشك في طياته الكثير من التداعيات محسوبة الخطوات من الإدارة الأميركية بما يستوجب على الليبيين أولا والمجتمع الدولي ثانيا النظر إليها بشكل معمّق.

وتجمع أغلب القوى السياسية الليبية رغم خلافاتها واختلافاتها على أن مناصرة واشنطن لتوجهات روما تعني لا محالة معارضة المشروع الفرنسي لتسوية الأزمة الليبية، الذي هندس خارطة طريق واضحة تهدف إلى التسريع بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية نهاية العام، خاصة في ظل تأكيد رئيس الوزراء الإيطالي أنّ بلاده تستعد لتنظيم مؤتمر دولي حول ليبيا ينبني على تقديم المصالحة على الانتخابات.

ويصف الكثير من المراقبين والعارفين بخبايا الاختلافات الليبية أن تجنّد الولايات المتحدة البراغماتي وراء خطوات إيطاليا سيفضي بالنهاية إلى ميلاد ثنايا ومسارات جديدة للتسوية السياسة في البلاد تتعارض تماما مع المسارات الدولية الأخرى وفي مقدّمتها مساعي الأمم المتحدة ومبعوثها غسان سلامة.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

بعد منح الإعتمادات للتجار هل لاحظت إنخفاضاً في أسعار السلع التموينية؟

نعم - 0%
إلى حد ما - 19.6%
لا - 78.3%

مجموع الأصوات: 46
انتهت عملية التصويت في هذا الاستطلاع