أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأحد 21 أكتوير 2018.

أزمة الليرة التركية وأسبابها

المركز الديمقراطي العربي

بقلم : د.  فاطمة الزهراء شبيلي – أكاديمية و باحثة – الجزائر

    المركز الديمقراطي العربي

إعتبر الرئيس التركي التدهور المفاجئ لسعر صرف الليرة التركية أمام الدولار بالحرب الاقتصادية ضد بلاده، حيث فقدت الليرة نحو 40% من قيمتها منذ بداية العام الحالي، لتهوي إلى أدنى مستوى فوق سبع ليرات للدولار ، و هدد الولايات المتحدة بقطع علاقات الشراكة الاستراتيجية معها على خلفية قضايا عدة ، و بأن بلاده سترد بالتحول إلى أسواق جديدة.

وبعيدا عن الإجراأت الجمركية العدائية الإمريكية ضد تركيا فإن الحقيقة هي أن تدهور الليرة التركية نتيجة منطقية للسياسات الاقتصادية التركية ، حيث سجل الميزان التجاري التركي عجزا بحوالي 85 مليار دولار سنويا.

كما ارتفع عجز ميزان الحساب الجاري (الحساب الجاري هو محصلة تجارة السلع والخدمات والتحويلات) من 3،8% من الناتج المحلي الإجمالي التركي الذي بلغ نحو 863،7 مليار دولار عام 2016، إلى نحو 5،5% من الناتج عام 2017، وسوف يبلغ نحو 5،4% من الناتج نهاية عام 2018 وتفاقمت الديون الخارجية حيث فاقت 400 مليار دولار ، وانخفاض الليرة سيجعل من مهمة تسديدها وفوائدها مسألة في قمة الصعوبة في ظل تواصل تراجع قيمة الليرة التركية.، ومنها نحو 102 مليار دولار ديون قصيرة الأجل التي خدمتها تشكل عبئا ثقيلا، إضافة لضعف الطلب الفعال في الداخل نتيجة سوء توزيع الدخل حيث تعد تركيا بين أسوأ دول العالم في هذا الصدد.

وتشير بيانات تقرير الثروات العالمي إلى أن أغنى 10% من السكان في تركيا يستحوذون على 77،7% من الثروة التركية، وهي تصنف ضمن اسوأ دول العالم في توزيع الدخل. وتشير بيانات البنك الدولي المأخوذة من بيانات رسمية تركية إلى أن نصيب أفقر 10% من سكان تركيا من الدخل بلغ 2،2% فقط. وبلغ نصيب أفقر 40% من الأتراك نحو 16،3% من الدخل.

وفي ظل التعويم الكامل لليرة التركية فإنها أصبحت تحت رحمة المضاربين، وفي ظل الظروف المالية المذكورة آنفا والتي تشكل ضغطا هائلا عليها وتفتح باب المضاربات . وقد كان واضحا أن كل عناصر انفجار الأزمة المالية في تركيا موجودة وأنها قادمة لا محالة عندما تتراجع إيرادات النقد الأجنبي لأي سبب ولا تتوفر لتركيا فرصة تعويض التراجع بالمزيد من الاستدانة ! ومن المؤكد أن التوترات في العلاقات الأوروبية التركية قد أثرت سلبيا في إيرادات السياحة في بلد يزوره نحو 38 مليون سائح سنويا.

كما أن الصادرات التركية من الألومنيوم والصلب للولايات المتحدة ستتأثر سلبيا بسبب مضاعفة الرسوم الجمركية عليها. كما تأثر رصيد النقد الأجنبي لدى تركيا بصورة سلبية بسبب النفقات الباهظة للحملة العسكرية التركية في سورية ، خاصة بعد توقف الدعم السعودي وبعد خلافها مع قطر وهي شريكتها في دعم المجموعات الإرهابية في سورية.

وقد جاء قرار الرئيس التركي باستبعاد الدولار واستخدام العملات المحلية في التبادلات التجارية مع الصين وروسيا وإيران منقوصا ولا يمكن أن تكون له أي فعالية إلا لو ثبتت تركيا عملتها أو حصرت حركتها في مدى 2% أعلى أو أقل من سعر أساسي حتى يمكن للدول المذكورة أن تقبل التعامل بها.

والبديل الثاني هو تسوية الالتزامات الدولية مع الدول المذكورة باليوان الصيني وهو عملة دولية تشكل نحو 11% من وحدة حقوق السحب الخاصة. ويعيب هذا البديل أن تركيا لا تملك رصيدا من اليوان حيث تحقق عجزاً تجارياً يصل لنحو 22 مليار دولار مع الصين، وعجزاً يصل لنحو 18 مليار دولار مع روسيا، وعجزاً يصل لنحو 6 مليارات دولار مع إيران. وصحيح أن السياحة من مواطني تلك الدول في تركيا تقلل العجز التركي، لكنه يظل حاضرا وكبيرا.

والأمر الإيجابي بالنسبة لتركيا هو أن أوروبا التي تتعرض لإرهاصات حرب تجارية أمريكية ضدها سوف تعمل على مساندة تركيا وبخاصة ألمانيا التي تتخوف من تدفق المزيد من الأتراك إليها إذا تفاقمت الأزمة المالية التركية بصورة أشد ضراوة، لكنها بالمقابل قد تفرض شروطا اقتصادية وسياسية على تركيا مقابل تلك المساندة. أما تهديد الرئيس التركي بالبحث عن حلفاء جدد فإنه يمكن أن يدفعه في اتجاه تعزيز العلاقات مع روسيا وإيران بصورة غير مسبوقة حيث يوجد توافق بين قوائم التجارة الخارجية التركية والقوائم المناظرة في البلدين، وسوف تكون الولايات المتحدة خاسر حقيقي من ذلك حيث تستوعب السوق التركية صادرات سلعية أمريكية تزيد قيمتها على 13 مليار دولار وكلها لها بدائل لدى أوروبا وروسيا والصين، وتحقق الولايات المتحدة فائضا تجاريا مع تركيا يبلغ أكثر من 6 مليارات دولار سنويا. وتبدو نداأت الرئيس التركي لشعبه بتحويل ما لديه من عملات أجنبية إلى الليرة التركية لدعمها، مثيرة للشفقة وغير مجدية لأن الأمور لا تجري على هذا النحو، فالشعب لن يحول ما بحوزته من عملات اجنبية إلى عملته المحلية إلا إذا ضمن استقرار سعرها أولا للحفاظ على قيمة مدخراته، وذلك من خلال التحول من التعويم الكامل إلى التعويم المدار ووضع مدى محدد لحركة العملة صعودا وهبوطا كما ورد آنفا.

وربما يكون شمول الإجراأت التجارية الأمريكية العدائية للعديد من الدول إلى جانب تركيا، أمرا إيجابيا للأخيرة، حيث يمكن أن يمنحها تضامن بعض تلك الدول.

والحقيقة أن إدارة “ترامب” قد أصيبت بخبل حقيقي يتمثل في توزيع الإجراأت العدائية تجاريا وسياسيا ضد أوروبا والصين وروسيا وإيران وتركيا وكندا والمكسيك وغيرها من الدول دون أي حسابات لرد الفعل! ويبدو أن السياسة التجارية الحمائية للولايات المتحدة والمناقضة للحرية التجارية التي دعت إليها وحاربت من أجلها، سوف تدفع أهم شركائها التجاريين نحو تعزيز التعاون فيما بينهم والتقليص التدريجي لاعتمادهم على التجارة مع الولايات المتحدة في حالة استمرار ترامب وسياساته التجارية العدائية إذا لم تقم أجهزة الدولة العميقة في الولايات المتحدة بإزاحته عن الحكم.

لكن الأهم والأخطر هو أن ذلك سيقترن بتراجع التعاملات الدولية بالدولار مما يحرم الولايات المتحدة من الأداة اللصوصية الأكبر التي تسلب بها إنتاج العالم من السلع والخدمات مقابل مجرد أوراق نقدية دولارية لا يوجد لها غطاء ذهبي أو إنتاجي.

و مع تراجع أسعار النفط بدأ الذهب في الارتفاع ، كما أنه في لحظات الأزمة المالية وعدم اليقين الاقتصادي والسياسي يتم اللجوء للذهب كملاذ آمن للقيمة مما يؤدي لارتفاع أسعاره و هناك تزايد إحتمالات لجوئها لبيع جزء من رصيدها الذهبي لمواجهة الأزمة .

لن نغير سياساتنا ولن نكبح نفوذنا فى الشرق الأوسط بسبب العقوبات والتهديدات الأمريكية،هذا ما صرح به أردوغان لكن التزام تركيا بالحصار الأمريكي على ايران سيكون صعبا، ان لم يؤد الى نتائج سلبية كارثية على تركيا، فحجم التبادل التجاري بين البلدين يصل الى عشرة مليارات دولار .. و أعتقد أن استمرار الأزمة أو إستقرارها يتوقف على نجاعة الإجراأت التي اتخذت لدعم الاقتصاد المحلي، بالإضافة إلى مدى تعاون بعض الدول بخصوص التبادل التجاري مع أنقرة ، و أنه من المبكر القول إن الأزمة انتهت أو إنها ستتفاقم .

في الأخير فإن الإقتصاد و السياسة وجهان لعملة واحدة، والرئيس أردوغان يسعي الى اقامة “امبراطورية عثمانية جديدة” با ستخدام إيديولوجية الاخوان المسلمين و يتعاطى مع أهم القضايا الاستراتيجية تعاملا مزاجيا فاشلا تهيمن عليه مشاعر الاصطفاف.. ارتموا في الحضن الأمريكي الذي أوقفهم على عتبة المشروع الصهيوني ليصبحوا مجرد أدوات صغيرة في مشروع إمبريالي كبير !

فأظهروا استعدادا غير مسبوق للمضي في مسارات التطبيع حيث بدأت ماكنة التبرير الأيديولوجي تقترب من وضع صكّ غفران لمشروع الشرق الأوسط الجديد.. وهاهم بين ليلة وضحاها باتوا يزايدون بالموقف المناهض لأمريكا، أي أنهم ومن دون مراجعة واعتراف يحاولون تسويق موقفهم كما لو أنه موقف مناهض للإمبريالية !؟ وحتى الآن لم يتخلّ أوروغان عن الاتفاق الامني الاستراتيجي مع تل أبيب..ولا أعلن التخلّي عن مقتضيات المشروع الأمريكي في المنطقة !

    فما قيمة أن تصبح ضدّ أمريكا في الوقت بدل الضّائع بعد كلّ هذا الخراب الداخلي و الخارجي ؟

أضف تعليق


كود امني
تحديث

بعد منح الإعتمادات للتجار هل لاحظت إنخفاضاً في أسعار السلع التموينية؟

نعم - 0%
إلى حد ما - 19.6%
لا - 78.3%

مجموع الأصوات: 46
انتهت عملية التصويت في هذا الاستطلاع