أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الثلاثاء 13 نوفمبر 2018.

معارك السيطرة على الانتخابات في ليبيا

في مبادرة وضعت فيها فرنسا ثقلها السياسي والدبلوماسي، اجتمع أطراف النزاع الليبيون في أيار/مايو الماضي في مؤتمر دوليّ بشأن بلادهم في باريس، وقد استطاع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، للمرة الأولى، جمع ما لا يجتمع، فحضر المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق في طرابلس برئاسة فائز السراج، كما حضر ممثلون عن حكومة الظل في الشرق الليبي وبرلمانها في طبرق ورئيسها الفعليّ، الجنرال خليفة حفتر، وكانت النتيجة بيانا وعد بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة مع نهاية العام 2018 يفترض أن تنهي هذا الانقسام الجغرافي والسياسي ـ العسكري بين الطرفين الأكبرين في ليبيا ما بعد سقوط العقيد معمر القذافي عام 2011.


تقدم هاتان البنيتان السياسيتان العسكريتان الرئيسيتان مظهرا عامّا خادعاً يخفي وراءه الكثير من وقائع الوضع الليبي المعقد، وتظهر المعارك الدمويّة الأخيرة في طرابلس العاصمة بين جهتين مسلّحتين محسوبتين (نظريّا) على حكومة الوفاق أحد مظاهر هذا التعقيد.
في ليبيا مئات الميليشيات المقسومة على أسس جغرافية وقبليّة وهي تتنازع على «المصادر»، ومنها بالطبع مؤسسات «الدولة» الليبية نفسها، وكثير منها يمارس التهريب والاتجار بالبشر والاختطاف والسلب والابتزاز، وتتغيّر ولاءات هذه الميليشيات على أساس من علاقتها بمواقع المال والنفوذ والسلطة، وهذا يجعلها جزءا من اقتصاد الحرب الذي صار بديلا يناهض اقتصاد البلاد ويجعل الدولة والمواطنين رهائن له عبر منع تشكّل سلطة مركزية واحدة، مسؤولة عن إحلال الأمن والنظام العامّ الذي هو وظيفة أساسية للسماح لشؤون السياسة والاجتماع والاقتصاد الأخرى بالوجود والازدهار.
ولو أن الأمر يتعلّق بالميليشيات الليبية وحدها فلربّما استطاعت السلطة المركزيّة للدولة خرط هذه الميليشيات في مؤسساتها الأمنية والعسكرية، ولكنّ تفكّك ليبيا واتساع مساحتها الجغرافية كانا مناسبة عظيمة لمبادرة دول عربية نافذة إلى دعم الجنرال خليفة حفتر بالمال والسلاح لإنهاء القيم والمبادئ التي طمحت الثورة لتحقيقها بإسقاط القذافي وإعادة الليبيين إلى «بيت الطاعة» العربيّ بجعلها مقبرة واسعة (كما حصل في سوريا)، مستغلّة الانهيار السياسي والاقتصادي، ومستثمرة في توسيع الخلافات القبلية والمدنيّة والأيديولوجية بين أطراف النزاع.
إضافة إلى الدول العربيّة تلك فقد انشغلت دول أوروبية عديدة، كفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية، بتنامي خطر تنظيم «الدولة الإسلامية»، وباستخدام مئات آلاف اللاجئين ليبيا كممرّ عبور للهجرة إلى أوروبا، وقد استغلّت الأحزاب الفاشية والعنصريّة هذين الحدثين في دعايتها السياسية وأدّت بالنتيجة إلى وصول بعض هذه الأحزاب إلى سدّة الحكم في أكثر من بلد بينها إيطاليا نفسها.
لقد انطلقت الثورة في ليبيا لأسباب داخليّة عميقة، واستدعت بالضرورة ردود فعل خارجيّة ساهمت بعضها في سقوط السلطة القديمة، وشارك بعضها الآخر أطرافا داخلية في حرب مضادّة لإعادة الساعة للوراء، ونتيجة هذه السيرورة الطويلة ستكون محصّلة بالضرورة لهذه الصراعات التي انعكست على السياسة داخل ليبيا وفي البلدان التي أثّرت وتأثرت بهذه السيرورة، بما في ذلك مصر وتونس والجزائر وإيطاليا وغيرها.
محاولة ميليشيات كبيرة دخول العاصمة الليبية هي إحدى هذه المحاولات الداخلية للتأثير في الانتخابات، ولحجز حصّتها من الكعكة، وهو أمر استثمره الطرف الخاضع لنفوذ الجنرال حفتر حيث أصدر 80 عضوا في برلمان طبرق بتغيير المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني» وتشكيل آخر، وهي محاولة ثانية لدخول العاصمة الليبية والتأثير على الانتخابات، ولكن من دون قوات عسكرية.
هذه المحاولات لا تبشّر طبعا بخير ولكنّها تؤشّر إلى أهمّية نتائج الانتخابات المقبلة، التي إذا حظيت بتوافق أممي عليها قد تغيّر موازين القوى الليبية من جديد.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

بعد منح الإعتمادات للتجار هل لاحظت إنخفاضاً في أسعار السلع التموينية؟

نعم - 0%
إلى حد ما - 19.6%
لا - 78.3%

مجموع الأصوات: 46
انتهت عملية التصويت في هذا الاستطلاع