أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 13 ديسمبر 2018.

محمد بن زايد و المعضلة الجزائرية

:إ تهم المشير خليفة حفتر الجزائر باستغلالها للأوضاع الأمنية في ليبيا و اجتياز جنودها للحدود الغربية الليبية فتوعدها بنقل الحرب إليها ، و بالإضافة إلى كون حفتر يريد أن يوصل رسالة إلى طرابلس عبر مخاطبته للجزائر على طريقة ” إياك أعني ياجارة ” ؛  مفادها أنه باستطاعته الوصول إليها بما يعني ضمنيا تمدّده في الغرب اللّيبي ، فإنّ كلام حفتر له دلالات  أخرى لا تقف عند ظاهر الكلمات و الحروف .

فليس من مصلحة حفتر أن يدخل في حرب مع الجزائر و هو غارق في مآزق داخل المنطقة الشرقية التي يزعم سيطرته عليها ، و قد ثبت فشله في السيطرة حتى على بنغازي فأنّى له أن يطال الغرب المتاخم للجزائر ؟ و يبدو أن حفتر لم يكن يتكلم منطلقا من إرادته الذاتية ، فمن يا ترى  له مصلحة تجعله يستفز الجزائر بغرض تحوير مواقفها باتجاهه و إقحامها في الأزمة اللّيبية و ما الذي سيجنيه من وراء هذا الاستفزاز ؟

من له مصلحة في استفزاز الجزائر ؟

إن البحث في خريطة تحالفات حفتر في المنطقة يساعد على معرفة من تكلم حفتر بلسانه و بمكنوناته ، و لن تعدو إحدى دولتين إمّا فرنسا أو الإمارات أو ربما كلاهما معا ، و معرفة المصلحة الكامنة وراء استفزاز  حفتر للجزائر يساعد في معرفة صاحب المصلحة .

قد يكون ما صرّح به حفتر زلّة لسان سببها استرساله في حديث أدّى إلى انفعاله الأمر الذي حدا به إلى البوح بمكنوناته و بالتالي فهذا ناجم عن لا شعور يوضح كمّ ضغط صاحب المصلحة لافتعال شيء ما و استفزاز الجزائر ، أو أنّ ذلك مقصود بدافعٍ و بإيعاز مباشر من المستفيد من جرّ الجزائر نحو تبني مواقف معينة تخدم قضاياه ، و في كلا الحالتين يظهر الدّور الخارجي في تحريك حفتر بغية التأثير على سلوك الجزائر .

إنّ البحث عن المصلحة في ذلك يحيلنا إلى ما سيجلبه استفزاز الجزائر و يجعل منها طرفا في النزاع اللّيبي و يجردها من دور الوسيط في رأب الصدع بين الفرقاء الليبيين و بالتالي استقرار ليبيا ، هذا الاستقرار و بعد ما ثبت تقهقر قوات حفتر و انكماشها إلى منطقة الشرق ، و عدم امتلاكه لشرعية دولية في مقابل تزايد الاعتراف الدولي بحكومة طرابلس و تعامل أغلب القوى الدولية و الإقليمية معها ككيان شرعي يمثل دولة ليبيا ؛ ليس في صالح فرنسا إجهاضه فهي لا يهمها من يحكم ليبيا في مرحلة ما بعد الحرب طالما أن مصالحها الجيواستراتيجية داخلها مصانة و مضمونة .

غير أنه بالنسبة للإمارات فإنّ أي استقرار يجلب الإسلاميين إلى سدّة الحكم أو في أقل تقدير يجعل منهم شريكا قويا في السّلطة أو طرفا فيها هو في غير صالحهم و لا يتفق مع أجندتهم في ليبيا و حتى في المنطقة برمتها ، و هم ما تحركوا منذ البداية إلا من أجل هندسة الخريطة السياسية لليبيا ما بعد القذافي و رموا بكل ثقلهم في أتون الصراع الليبي كطرف في الأزمة يُظهِر عداءا صارخا للقوى التغييرية و الثورية في ليبيا و على رأسهم الإسلاميون .

الخلافات الجزائرية الإماراتية:

و إذا كانت علاقة الجزائر بالإمارات قائمة في بعدها السياسي على التعاون داخل جامعة الدول العربية بحكم الأخوة  والجوار الإقليمي العربي على ضوء من مبدئها في عدم التدخل في شؤون الغير و حرصها الشديد على عدم الزج بجيشها خارج حدودها الإقليمية ، و في شقها الإقتصادي تستند إلى تحقيق المصلحة المشتركة في إطار ” الكلّ رابح ” ؛ فإنّ النزعة التدخلية لدولة الإمارات العربية بغرض فرض واقع يتلاءم مع تحقيق أهدافها الإستراتيجية في منطقة المغرب العربي تكشف أن استثماراتها في الجزائر ليست ذات طبيعة اقتصادية محضة ، بقدر ما هي أداة لتحقيق تلك الأهداف .

لم يكن هنالك ما يعكر صفو العلاقات الجزائرية-الإماراتية ، فعلاقة بوتفليقة الشخصية بشيوخ الإمارات التي نسجها و وطّدها أيام كان في منفاه الإختياري عقب وفاة الراحل هواري بومدين متنقلا بين دول الخليج ساهمت في تعزيز أواصر العلاقة الإماراتية مع اعتلائه الحكم سنة 1999 ؛ حينها بدأت الإستثمارات الإماراتية تتدفق على الجزائر .

مع بداية ثورات الربيع العربي التي تفجّر جانب كبير منها على طول الحدود الشرقية للجزائر و مسّ نظامين سياسيين ، تبيّن العداء الذي تكنّه الإمارات لفلسفة هذه الثورات و وقوفها ضد مخرجات المسار السياسي الذي أعقبها باستعمال جميع الوسائل المعلنة و الخفية منها على حد سواء ، هنا بدأت زاوية الخلاف في وجهات النظر بين البلدين حيال هذه الأزمات تأخذ شكل الخط المستقيم و تحيل إلى تناقض تام في مقاربات كلا الطرفين في التعاطي مع الأحداث ، ففي الحين الذي نأت الجزائر بنفسها عمّا يدور خلف حدودها ، تدخلت الإمارات من على بعد آلاف الأميال ، و لم يقف سلوكها عند هذا الحد بل سعت لوضع الجزائر على سكتها و إرغامها على تبني مواقفها .

و أهم محطات المسار التي خالفت فيه الجزائر مواقف الإمارات كان في امتناعها عن اعتبار جماعة الإخوان المسلمين و حركة حماس الفلسطينية و حزب الله اللبنانية تنظيمات إرهابية ، و مع صدور بيان رسمي تدعو فيه الجزائر أطراف النزاع في الأزمة الخليجية إلى ضرورة ضبط النّفس و حل الخلافات البينية على أساس من عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول بدا امتعاض دول الحصار و من بينها الإمارات واضحا ، ففي الوقت الذي كانت تنتظر من الجزائر موقفا متطابقا مع العديد من الدول التي أعلنت مقاطعتها لقطر جاء الموقف الجزائري محايدا لا يصطف مع أحد و يدعو للحوار و التهدئة و ضرورة عودة العلاقات لسابق عهدها ، و هو ما قرأته دول الحصار على أنّه انحياز للموقف القطري الرافض لقطع العلاقات .

كما أنّ رفض الجزائر للدخول في التحالف الإماراتي-السعودي في اليمن و تمتين الجزائر لعلاقاتها الوثيقة أصلا مع إيران من خلال زيارة جواد ظريف للجزائر نهاية العام الماضي ؛ جعل الإماراتيين يعتبرون ذلك في غير صالحهم و مسعًى جزائريا معارضا لمنهجيتهم المندفعة في التعامل مع الأحداث داخل البلدان العربية و الدّول الإقليمية .

و قد بلغ الخلاف الإماراتي-الجزائري مداه حينما أسهمت معلومات استخباراتية مصدرها جهاز الاستعلامات الجزائري بالتنسيق مع المخابرات الفرنسية و الألمانية في كشف تورط الإمارات في محاولة انقلابية في تونس بعد فضح لقاءات سرية لجهات إماراتية مع وزير الداخلية التونسي كانت الإمارات تخطط لإسقاط نظام السبسي بتواطئه معها ، غير أن إجهاض الجزائر لهذا المخطط أدى إلى إقالة الوزير التونسي ، و امتعاض أبوظبي من سلوك الجزائر .

ما يريده بن زايد من الجزائر:

الخلاف الحادّ  الذي يصل حدّ التناقض و الذي يحبط مشاريع الإمارات في المنطقة ، و التي يجب لها أن تمرّ عبر بوابة الجزائر ؛ و يؤجل حلمها في التخلص من إسلاميي المغرب العربي إلى الأبد و في أحيان كثيرة يكون وراء اندفاعها لتوريط الجزائر في أزمات تقع على حدودها المباشرة ، لم تزل الجزائر مصرّة على النأي بنفسها عنها ، و تريد الإمارات من خلال هذا التوريط إضعاف الجزائر و من ثمّ إجبارها على الرضوخ لمطالبها في تجريم الإخوان و التضييق على الإسلاميين و إقصائهم من الساحة السياسية فضلا عن توقف الجزائر عن مدّ تونس و حكومة طرابلس مستقبلا بمعلومات استخبارية تتعلق بما تحيكه ضدهما من مؤامرات تستهدف هندسة المشهد السياسي بما يخدم مصالحها في المنطقة و تلك التي لها انعكاسات على نشاط الإسلام السياسي في المشرق العربي خصوصا في مصر .

و على الرغم من إحباط الجزائر لمساعي و أهداف بن زايد في المنطقة في العديد من المواقف و المرّات  ، غير أنّه يبدو أن ذلك لن يثني من عزمه على تعديل المشهد المغاربي بما يتفق مع استراتيجيته في إزاحة الإسلاميين من الخريطة السياسية لدول المغرب العربي ، فالإمارات قد ألقت بقضها و قضيضها في المنطقة العربية لاستئصال شأفة الإسلاميين و من المستبعد جدا أن تتراجع عن تنفيذ هذه الخطة قيد أنملة .

أمّا عن وسائله في المرحلة القادمة فمن الواضح أنّها ستكون مليئة بالمؤامرات الداخلية ، و في الجزائر يبدو أن بن زايد استنفد جميع أوراقه الترغيبية و الاستفزازية مع النظام الحالي ، فهل سيلجأ إلى استعمال تكتيك جديد أكثر جرأة قائم على التدخل في توجيه المشهد السياسي الجزائري بما يفرز رئيسا جديدا يؤيده و ينفذ مخططاته خصوصا و نحن على مقربة من رئاسيات أبريل 2019  و غير بعيدين عن إحباط المحاولة الإنقلابية التونسية ، و لا يخفى على أحد الدّور الإماراتي في اعتلاء ترامب لرئاسة الولايات المتحدة و من قبلها إنقلاب السيسي و المحاولة الإنقلابية الفاشلة في تركيا ، مع بن زايد كل شيء وارد .

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك ماهو المسبب الرئيسي للإزدحام المروري؟