أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأحد 16 ديسمبر 2018.

مدينة صبراتة الأثرية تشكو من الظلم في ليبيا

 

وثيقة ليبية عمرها آلاف السنين

تحتوي الأراضي الليبية على مدن أثرية كاملة يعود تاريخها إلى الحضارتين الإغريقية والرومانية، وكذلك الحضارة العربية الإسلامية، هذه المعالم التي تحدد هوية ليبيا عانت منذ القديم من ظواهر التنقيب غير المشروع، لكن ازدادت هذه الظاهرة بعد أحداث الفوضى التي تشهدها البلاد منذ سنوات، حتى أصبحت السلطات المكلفة بحماية الآثار غير قادرة على ردع مافيات التهريب، وصارت الجماعات المتطرفة تشوّه المعالم الأثرية الشامخة، كما الحال في مدينة صبراتة التي تحتوي على آثار موغلة في القدم.

 صبراتة (ليبيا) – تحمل مدينة صبراتة الأثرية في غرب ليبيا والمدرجة على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، ندوب المواجهات بين المجموعات المسلحة، ما يجعل الكنوز الأثرية الثمينة بها عرضة لخطر التشويه والنهب والسرقة.

عند الدخول إلى المدينة التاريخية تجذب انتباه الزائر آثار طلقات الرصاص على جدران المسرح المهيب، فيما تتبعثر على أرضيته بعض الرصاصات الفارغة.

وتنتشر في محيط الموقع مخلفات قذائف مدفعية إذ كانت تتجول فيه الآليات المسلحة عند تبادل إطلاق النار بين المتنازعين.

ويحمل الحائط الجانبي للمسرح فجوة ضخمة تسببت بها إحدى القذائف جراء معارك دارت في سبتمبر وأكتوبر 2017.

وأصبحت مدينة صبراتة الحديثة الواقعة على بعد 70 كيلومترا تقريبا من العاصمة  طرابلس، نقطة الانطلاق الرئيسية للمهاجرين غير الشرعيين والمجموعات المسلحة بسبب الفراغ الأمني.

وقد أدرجت منظمة اليونسكو، صبراتة الأثرية وأربعة مواقع ليبية أخرى على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر في يوليو 2016 بسبب الأضرار التي لحقت بها والتهديدات الكثيرة المحيطة بها.

وأشارت اليونسكو إلى أن ليبيا لا تزال تعاني من عدم الاستقرار، داعية إلى حماية الآثار في المدينة ولا سيما المتحف الأثري هناك.

وقالت المديرة العامة للمنظمة إيرينا بوكوفا، “إننى أدعو جميع الأطراف إلى ضمان صون التراث الثقافي الفريد في صبراتة. كما أناشد الجميع الامتناع عن أي استخدام عسكري لمواقع التراث الثقافي أو أي استهداف لها أو للمناطق المجاورة لها مباشرة، وذلك تماشيا مع الأحكام الواردة في اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاعات المسلحة”.

يقول محمد الشكوكي رئيس مصلحة الآثار الليبية، إن التراث الليبي في خطر حقيقي.

ويتابع قائلا، “انتشار المجموعات المسلحة داخل المواقع الأثرية والعمليات التي كانت تدور بالقرب أو داخل بعض المواقع وأشهرها في صبراتة الأثرية، جعلا المواقع الأثرية في حالة تهديد مستمر”.

ويزداد الوضع صعوبة مع توقف بعثات أجنبية كانت تساهم في حفظ هذه المواقع “عن القدوم إلى ليبيا منذ أربعة أعوام بسبب ارتفاع وتيرة الفوضى وانعدام الأمن” على ما يؤكد الشكوكي.

وصبراتة واحدة من المدن الثلاث في إقليم أطلق عليه قدماء اليونان اسم “تريبوليس” أي إقليم المدن الثلاث (لبدة وطرابلس وصبراتة)، كما أطلقوا عليه اسم (إيمبوريا) أي المراكز التجارية حيث بقيت هذه المدن الثلاث من أنشط الأسواق والموانئ التجارية الليبية الفينيقية.

وترجع أطلال المدينة الحالية في معظمها إلى القرنين الأول والثاني للميلاد في عهد الإمبراطورية الرومانية، وقد جُدّد بناء المعابد البونيقية والمحيطة بساحة السوق (الفوروم) والإيوان القضائي (البازيليكا) والمجلس البلدي (الكوريا) في القرن الرابع الميلادي.

يذكر أن عمليات التنقيب في مدينة صبراتة انطلقت لأول مرة سنة 1923 واستمرت حتى 1936، حيث تم خلال هذه الفترة الكشف عن نصف مساحة المدينة القديمة بما في ذلك المباني العامة وعدد من المساكن والشوارع، ومن بين المنشآت المهمة التي تم العثور عليها في تلك الآونة مسرح صبراتة. والمدينة التي تتميز بشواطئها الذهبية المطلة على المتوسط، مهجورة الآن وتحيط بها الأعشاب والنباتات البرية.

الرصاص يشوه معالم الإغريق والرومان

ويؤكد محمد أبوعجيلة، مسؤول مكتب الآثار في صبراتة، أن “المدينة لها تاريخ عريق على المستوى العالمي، حيث تأسست في القرن السادس قبل الميلاد على يد الفنيقيين، قبل أن يدخلها الرومان في القرن الأول للميلاد، وازدهرت حينها بشكل لافت اقتصاديا وسياسيا وكانت حاضرة الرومان في شمال أفريقيا”.

وهو يؤكد على أن المدينة تتأثر بالظروف الطبيعية لكن الأخطر برأيه، “التهديدات الناجمة عن البشر حيث تسببت الأعمال المسلحة التي دارت داخل الحرم الأثري، في إصابة أجسام المباني الأثرية ومكوناتها، مثل المسرح وبعض الأعمدة”.

وتعاني مواقع أثرية ليبية أخرى من التوسع العمراني كذلك، مثل شحات الجوهرة التي بناها الإغريق في شرق ليبيا.

وتشكل عمليات النهب تهديدا لها أيضا، إذ أن انعدام الأمن سمح بحفريات غير مرخصة والاتجار بالآثار، وقد سجلت عمليات سرقة قطع أثرية عدة.

وإذا كان من السهل تهريب القطع الصغيرة النادرة ومرورها عبر المعابر والمنافذ الحدودية البرية أو الجوية، فمن المحيّر أن يقع تهريب بعض القطع الأثرية ذات الوزن الثقيل التي يصل بعضها إلى حجم الإنسان كالتماثيل الثلاثة التي عُثر عليها بسويسرا.

وأعلنت وزارة الداخلية الإسبانية في مارس ضبط “الكثير من الأعمال الفنية العائدة إلى منطقتي برقة وإقليم طرابلس” من بينها فسيفساء ونواويس.وقالت السلطات الإسبانية، “ثبت أن مصدرها هو موقع أبولونيا وشحات وقد نهبتها مجموعات إرهابية من مدفنين فيهما”.

ونشرت وسائل الإعلام تقارير صادمة عن حجم الآثار الليبية المهربة من سنة 2011 وحتى العام 2017، تبرز أن كلا من بريطانيا وإسرائيل رصدت قائمة الدول التي تم تهريب الآثار الليبية إليها، فضلا عن إسبانيا وإيطاليا وتونس ومصر والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا.

كما كشفت عن النقاط التي تم استخدامها خلال عمليات تهريب الآثار الليبية والتي تتمثل في الحدود الليبية المصرية والحدود الليبية التونسية ومطار معيتيقة ومطار إسطنبول.

وذكر مجلس المتاحف الدولي في تقرير له أن المدن الليبية المصنفة تحت الخطر هي غدامس وصبراتة ولبدة وسوسة وجبال أكاكوس، أما أهم المدن المسروقة فتمثلت بمدينة سوسة وشحات وصبراتة وسرت وبني وليد وجبل نفوسة ومدينة توكرة وطلميثة.

وتؤكد مصلحة الآثار أنها تحاول إنقاذ ما تيسر من خلال إقفال المتاحف ولا سيما متحف طرابلس أو نقل الكنوز الأثرية إلى “مكان آمن”.

ويقول أبوعجيلة، “نحن بصدد إعداد خطة مشروع لإعادة الترميم وقد زارنا قبل أسبوعين فريق من المعهد العالي للترميم الإسباني وأبرمنا اتفاقية بشأن صيانة بعض المواقع وخصوصا المسرح”. لكن المسؤول الليبي يدرك أن الخطوات المقبلة “تعتمد على الظروف الأمنية”.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك ماهو المسبب الرئيسي للإزدحام المروري؟