أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 18 أكتوير 2018.

المهمشون في جامعة الدول العربية بين خياري البقاء و الإنسحاب

تستأثر العواصم الخليجية إلى جانب القاهرة وبيروت وغيرها من مدن الشام والشرق الأوسط فضلًا عن عواصم المغرب العربي باهتمام ومكانة لا تقارن مع عواصم عربية أخرى مثل مقديشو وجيبوتي والخرطوم ونواكشوط وموروني رغم أن الكل أعضاء في جامعة الدول العربية التي تم تأسيسها في العام 1945م.

ويلاحظ أن هذه الجمهوريات العربية التي تصنف بأنها مهمشة تقع في القارة الإفريقية جنوب الصحراء عدا موريتانيا التي يمكن اعتبارها حلقة الوصل بين الشمال الإفريقي العربي ودول غرب إفريقيا. وهذا ما قد يفسر اتجاه هذه الدول أخيرًا إلى تعزيز علاقاتها مع تكتلات إقليمية إفريقية مثل الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية "إيقاد" وتجمع دول الساحل والصحراء "س،ص". فيما تتصاعد المطالبات الشعبية داخل دول عربية إفريقية بالانسحاب من الجامعة العربية في ردة فعل على النظرة الاستعلائية التي يجدها مواطنو هذه الدول من نظرائهم العرب، حسبما يقولون.

الصومال وجدلية الهوية

الهوية الصومالية فريدة من نوعها لذلك يتساءل كثير من الصوماليون عن هويتهم التي لم تتشكل بعد، هل هي عربية أم إفريقية أم إنها مزيج من الاثنتين، ويبدو التساؤل للوهلة الأولى بسيطًا ولكنه يحمل في طياته الكثير من المتاعب التي حيّرت مجتمعًا من ملايين الصوماليين، الذين يبحثون عن حقيقة هويتهم لأن معرفة هوية الصومال وتشخيصها بشكل صحيح يساعد في إيجاد الحلول الناجعة للأزمات الصومالية المعقدة.

يرى جزءٌ كبيرٌ من رموز البلد أن الشعب الصومالي ينتمي إلى العروبة والثقافة العربية بينما في الجانب الآخر يجادل مثقفين بأن الانتماء الحقيقي للصوماليين هو العمق الإفريقي مما يحمل في طياته الكثير من المتاعب التي أرّقت المجتمع الصومالي.

علي الرغم من أن الصومال انضم إلى جامعة الدول العربية منذ سبعينيات القرن الماضي في عهد الرئيس الأسبق محمد سياد بري، فإن الجدل حول الهوية ما يزال مستمرًا بين النخب الثقافية الصومالية ويطرحون تساؤلًا في غاية الأهمية، وهو: إذا كان المجتمع الصومالي مجتمَعًا متجانسًا في كل عناصر الهويَّة الأساسية من الدِّين واللغة والعِرق والثقافة فلماذا تستمر الأزمة في كل هذه المدة؟

ويرى جزءٌ كبيرٌ من رموز البلد أن الشعب الصومالي ينتمي إلى العروبة والثقافة العربية بينما في الجانب الآخر يجادل مثقفين بأن الانتماء الحقيقي للصوماليين هو العمق الإفريقي مما يحمل في طياته الكثير من المتاعب التي أرّقت المجتمع الصومالي.

ويتميز الصومال بموقعٍ استراتيجيٍّ فريد في منطقة القرن الإفريقي يحده من الشمال الغربي جيبوتي، وكينيا من الجنوب الغربي، وخليج عدن من الشمال والمحيط الهندي من الشرق وإثيوبيا من الغرب. ويملك أطول حدود بحرية في قارة إفريقيا تتسم تضاريسه بالتنوع بين الهضاب والسهول والمرتفعات مناخها صحراوي حار على مدار السنة مع بعض الرياح الموسمية والأمطار غير المنتظمة.

كان الصومال قديمًا أحد أهم مراكز التجارة العالمية بين دول العالم القديم. حيث كان البحارة والتجار الصوماليون الموردين الأساسيين لكل من اللبان(المستيكة) والتوابل والتي كانت تعتبر من أقيم المنتجات بالنسبة للمصريين القدماء والفينقيين والمايسونيين والبابليين، الذين ارتبطت بهم جميعا القوافل التجارية الصومالية وأقام الصوماليون معهم العلاقات التجارية.

مقديشو قديما

ولهذا الارتباط التاريخي، يرى كثير من الصوماليين أنهم ينتمون إلى الهوية العربية، مستدلين بالاعتقاد السائد لدى بعض النخب بالانتماء العربي، إذ إن معظم القبائل الصومالية تُرجِع أصولها إلى القبائل العربية، تفاخرًا منهم بأصول النسب إلى القبائل العربية وخاصة إلى بني هاشم آل النبي محمد "عليه الصلاة والسلام"، حبًا في نبي الإسلام وآل بيته، إضافة إلى أسلوب الفخر والذم الذي ظلّ موجودًا داخل المجتمع الصومالي البدوي حسب تسود ثقافة المدح والذم للقبائل حسب النسب والحسب وشرف العرق والانتماء.

تتميز جزر القمر عن سائر الدول العربية بوقوعها داخل المحيط الهندي على مقربة من السواحل الشرقية لإفريقيا، وتتميز كذلك بالتنوع الثقافي والتاريخي

وفي الجهة المقابلة، يرى مثقفون آخرون أن الأصل الحقيقي للشعب الصومالي هي الهوية الإفريقية متمثلة في السلالة الكوشية التي عاشت بمنطقة شرق إفريقيا في التاريخ القديم قبل الميلاد، وكوش اسم أُطلق على المنطقة جنوب الشلال في بلاد النوبة العليا والسفلى "السودان وأجزاء من مصر حاليا" حيث قامت حضارة وادي النيل النوبية الكوشية وكانت لها ثلاث عواصم كل واحدة منها امتدادًا للأخرى، وهي كرمة ونبتة ومروي وامتدت سلطة كوش حتى حدود مملكة أكسوم الحبشية.

ويستند المناصرون لهذا الرأي إلى عامل السحنات المشتركة بين قومية الكوشيين القدماء والصوماليين، وانتماء اللغة الصومالية إلى عائلة اللغة الكوشية. كما أن أنصار إفريقية الصومال يرون أن الانضمام الصومالي للجامعة العربية كان لدوافع سياسية وجيوبولوتيكية، ويتساءل البعض لماذا يُصِرُّ الصوماليون على انتمائهم العربي وإن كان نَسَبِياً؟ مع أنَّ العرب الحاليين يسخرون ويبتعدون منهم في الوقت الذي يعتبر فيه الأفارقة أن الصوماليين يتنصلون من الجسم الإفريقي ويلتصقون بالعروبة.

جزر القمر.. فردوس العرب الضائع

رسميًا تعرف بجمهورية القمر المتحدة وتتكون من أرخبيل يضم 4 جزر هي موالي وأنزواني وماهوريه ومايوت والأخيرة لا تزال تحت سيطرة فرنسا ولم تخضع لسلطة جزر القمر مطلقًا رغم استقلال البلاد عن المستعمر الفرنسي منذ العام 1975م لرفض السكان ذلك في استفتاء شعبي.

تتميز جزر القمر عن سائر الدول العربية بوقوعها داخل المحيط الهندي على مقربة من السواحل الشرقية لإفريقيا، وتتميز كذلك بالتنوع الثقافي والتاريخي حيث تألفت الأمة القمرية من ملتقى العديد من الحضارات. وعلى الرغم من أن اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية الوحيدة في جزيرة مايوت الخاضعة للحكم الفرنسي، فإن للاتحاد القمري ثلاث لغات رسمية وهي اللغة القَمرية (شيكومُور) واللغتين العربية والفرنسية.

لا يأتي إلى جزر القمر إلا قليل من السائحين، ولكن إذا سنحت لك الفرصة التحدث مع أحد السكان المحليين، لا تتفاجأ أن يحدثك بلسان عربي مبين

وجمهورية جزر القمر التي يقل عدد سكانها عن مليون نسمة انضمت إلى الجامعة العربية في العام 1993م كآخر دولة تنضم إلى هذا الكيان، لكن الثقافة العربية والإسلامية ظلت حاضرة في هذا البلد منذ زمن طويل، ولقد لعبت سلطنة عمان وزنجبار الدور الأكبر في تعريف القمريين على الدين الإسلامي، حيث أسهم التجار القادمون من السلطنة وزنجبار في ذلك بشكلٍ كبير، وساعدوا في انتشار الإسلام بوتيرة سريعة، ولا يزال الاعتزاز بالانتماء العربي متجذرًا في أعماق الشعب القمري رغم أنهم يواجهون تجاهلا عربيًا غريبًا، حيث تكاد الزيارات الرسمية أن تكون معدومة، كما أن الاستثمارات الاقتصادية والإقبال السياحي على هذا الفردوس الأرضي الخلاب ما زالت متواضعة.

ولكي تتأكد من ذلك أسأل أي شاب عربي عن دولة عربية عاصمتها موروني مؤكد أنه لن يتعرف عليها هذا إذا كان قد سمع بجزر القمر أصلًا. ولا يمكن أن نفسر حالة التجاهل هذه سوى أنها نوع من قصر النظر التي تعانيها الأنظمة ووسائل الإعلام العربية، فهذا الغياب العربي دفع إيران لتشكيل حضور قوي في البلاد على مختلف المجالات سياسيًا واقتصاديًا ودينيًا عبر استثمارات اقتصادية ومدارس دينية وغيرها، فضلًا عن دخول تركيا بقوة في الآونة الأخيرة لملأ الفراغ الذي سببه التجاهل العربي، حيث تخطط أنقرة لافتتاح مكتب لذراعها العملاق الوكالة التركية للتعاون والتنسيق "تيكا" في العاصمة موروني، في خطوة على طريق انفتاح تركي كامل على هذا البلد العربي الذي تناساه الأشقاء.

ومعروف أن تيكا التي تضم 62 فرعًا حول العالم تؤدي أدوارًا دبلوماسية قوية لتركيا من خلال برامج مدروسة ومساعدات إنسانية تهدف إلى تعميق علاقات الصداقة والتعاون لتركيا مع الشعوب المختلفة ولدى الوكالة حضور خاص في القارة الإفريقية .

العاصمة القمرية موروني

لا يأتي إلى جزر القمر إلا قليل من السائحين، ولكن إذا سنحت لك الفرصة التحدث مع أحد السكان المحليين، لا تتفاجأ أن يحدثك بلسان عربي مبين، ولا تندهش من رغبته الشديدة في الترويج لبلده أمامك، فتعد أكثر أحلام الشعب القمري أن يتعرف العرب عليهم وأن يأتون للسياحة في أرخبيلهم الرائع، لتكون جزر القمر ضمن وجهاتهم الاقتصادية والسياحية في المستقبل القريب.

السودان وتصاعد الدعوات إلى الانسحاب من الجامعة العربية

أحسب أنه لا يوجد بلد في العالم أخذت قضية الهوية فيه نقاشًا كبيرًا مثل السودان، فقد ظلّت هوية هذا البلد الواقع في شرق إفريقيا مثار جدل مستمر أخذ يتصاعد في الوقت الراهن بشكلٍ غير طبيعي، مع تزايد دعوات يطلقها شباب سودانيون من أجل الضغط على الحكومة للانسحاب من جامعة الدول العربية. والخطير في الموضوع أن الدعوات بدأت تأخذ طابعًا منظمًا بدعم عدد من الكيانات السياسية والجهات الشبابية .

تعرّض السودان لاعتداءات إسرائيلية متعدّدة، قام بها سلاح الجو داخل العاصمة الخرطوم وقرب مدينة بورتسودان الساحلية، حيث استهدفت هذه الضربات ما يعتقد أنها مخازن أو قوافل أسلحة كانت تُهرّب إلى قطاع غزة

يقول هؤلاء الشباب إن الأمر يتجاوز التجاهل المتعمد للسودان إلى السخرية والانتقاص الذي تمارسه أجهزة إعلام عربية على البلد الذي انضم إلى الجامعة العربية بعد عامين من استقلاله. رغم كون السودان من أكثر البلدان نصرةً للقضايا العربية وفي الأذهان تنظيمه للقمة العربية الأشهر التي استضافتها الخرطوم عام 1967م، والتي عرفت بقمة اللاءات الثلاث (لا اعتراف بإسرائيل، لا تفاوض، لا سلام) وشهدت القمة نجاح رئيس الوزراء السوداني الأسبق محمد أحمد المحجوب في احتواء الخلاف التاريخي الذي نشب بين الملك فيصل بن عبدالعزيز والرئيس المصري جمال عبدالناصر.

هذا إلى جانب تعرّض السودان لاعتداءات إسرائيلية متعدّدة، قام بها سلاح الجو داخل العاصمة الخرطوم وقرب مدينة بورتسودان الساحلية، حيث استهدفت هذه الضربات ما يعتقد أنها مخازن أو قوافل أسلحة كانت تُهرّب إلى قطاع غزة.

ويلاحظ المراقب للشأن السوداني سيطرة الاتحاد الإفريقي والأجهزة التابعة له على الملفات الشائكة لهذا البلد منذ زمن بعيد، فقد رعت الوساطة الإفريقية مفاوضات السلام الشاقة بين الحكومة السودانية ومتمردي الجنوب منذ تسعينيات القرن الماضي، إلى أن تُوجت باتفاقية السلام الشامل التي وقعت في مدينة نيفاشا الكينية عام، مُنهية أطول حرب أهلية في القارة الإفريقية.

وامتدت كذلك مساعي الاتحاد الإفريقي لطي أزمة دارفور، حيث شهدت مدينة أبشي في تشاد أولى جولات التفاوض لإنهاء الأزمة التي اندلعت في العام 2003، ثم أبوجا في نيجيريا التي وُقعت فيها اتفاقية سلام دارفور بين الحكومة السودانية وحركة تحرير السودان جناح مني أركو مناوي.. كما أرسل الاتحاد الإفريقي 7000 من جنوده لحفظ السلام في الإقليم المضطرب.

في المقابل، لم تعرف جامعة الدول العربية وآلياتها سوى بيانات التضامن والزيارات الدبلوماسية التي تؤكد على دعم الجامعة لإحلال السلام في السودان، وكانت هناك جهود عربية فردية خارج نطاق الجامعة، تتمثل في الدور القطري الذي حرص على دعم مسار التفاوض وحل أزمة دارفور سلميًا، فتم توقيع اتفاقية الدوحة للسلام في العام 2006 مع عدد من الفصائل المسلحة من جانب، والحكومة السودانية من الجانب الآخر.

تعمُّد بعض الأعمال السينمائية العربية إلى تكريس صورة شائهة عن السودان لتصويره كنموذج للدولة المتخلفة البعيدة كل البعد عن الحضارة والتقدم.

قد تطرح أسئلة شائكة حول هوية السودان، هل هي عربية أم أفريقية؟ والحقيقة أن رياح السياسة بجانب العواطف والمصالح تسوقها ليبدو الانتماء تارة إفريقيًا وتارة أخرى عربيًا. ويدور جدل مستمر بين قطاعات ونخب ثقافية سودانية منذ الاستقلال حول عروبة وإفريقية السودان، ويؤسس الرافضون لعروبته مواقفهم على حديث متواتر عن رفض بعض الدول العربية مساعي السودان للانضمام إلى جامعة الدول العربية العام 1958، ويتندرون على الاقتراح الذي طرح في ذلك الوقت بتسمية الجامعة "جامعة الدول العربية والسودان".

كما يشيرون إلى ظهور إساءات متكررة من إعلاميين عرب عن الإنسان السوداني الذي يصفونه بالكسل والخمول وغير ذلك من الصفات السيئة بين الحين والآخر. وتعمُّد بعض الأعمال السينمائية العربية إلى تكريس صورة شائهة عن السودان لتصويره كنموذج للدولة المتخلفة البعيدة كل البعد عن الحضارة والتقدم.

ولعل الرفض الكامل لعروبة السودان يبلغ حدًا من المغالاة والتطرف الذي يميل إلى إلغاء هوية الآخر تمامًا في حين توجد قبائل سودانية عديدة من أصول عربية، وفي الحقيقة لا نرى وجود أي تعارض بين إفريقية السودان وعروبته في آن واحد.

حالة الشقاق السياسي والصراعات التي تفتك بالدول العربية مع تصاعد الغضب الشعبي في الدول المهمشة عربيًا من جراء تجاهل الأشقاء لهم يمكن أن يقود إلى مزيد من تقوقع هذه الجمهوريات وانكفائها على ذاتها أو ربما تتخذ قرارًا مفاجئًا بالخروج الجماعي من المنظومة العربية التي أصبحت مفككة وضعيفة في الوقت الراهن. فهناك رغبة ملحة في تكوين اتحاد كونفدرالي تداعب خيال مواطني دول شرق إفريقيا العربية منها وغير العربية كالصومال والسودان وإثيوبيا وإرتريا وجيبوتي.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

بعد منح الإعتمادات للتجار هل لاحظت إنخفاضاً في أسعار السلع التموينية؟

نعم - 0%
إلى حد ما - 19.6%
لا - 78.3%

مجموع الأصوات: 46
انتهت عملية التصويت في هذا الاستطلاع