أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأحد 16 ديسمبر 2018.

دراسة: مشكلة التهريب بين ليبيا وتونس: الحل الأمني لا يكفي

نتيجة بحث الصور عن التهريب على الحدود الليبية التونسية

أوصت دراسة أميركية حديثة بالتركيز على الجانبين الأمني والاقتصادي في حل مشكلة التهريب على الحدود الليبية – التونسية، محذرة من الانعكاسات السلبية للتركيز على الجانب الأمني في حل هذه المشكلة، ومشيرة في الوقت نفسه إلى أن عددًا كبيرًا من المهربين يتمتع بقدر واسع من النفوذ.

وتوقعت الدراسة البحثية الصادرة عن مركز «كارنيجي» للشرق الأوسط، «فشل جهود الحد من التهريب والاتجار غير المشروع مع التركيز على الجانب الأمني فقط»، ونبهت إلى «تأثيرات سلبية واسعة النطاق على معيشة مواطني الحدود»، موضحة أنه «سيهدد الاستقرار الإقليمي كنتيجة لتفاقم التنافس بين الميليشيات، واندلاع الاحتجاجات العنيفة، وحتى عودة الحركات الجهادية مجددًا إلى الساحة، بسبب غياب الفرص الاقتصادية البديلة».

الاتحاد الأوروبي رصد 20 مليون دولار لتعزيز أمن الحدود الليبية ـ التونسية

الورقة البحثية سلطت الضوء على الأهمية الاقتصادية للتهريب في حياة القاطنين على الحدود من البلدين، مشيرة إلى أن «العديد من السكان الليبيين والتونسيين القاطنين على طرفي الحدود لا يعتبرون توسع الجهود الأمنية تطورًا إيجابيًا»، واستندت إلى «استطلاع رأي أجري العام 2016 في بلدتي الذهيبة وبن قردان التونسيتين الحدوديتين، خلص إلى أن 90.2% من السكان في بن قردان و89.6% من قاطني ذهيبة يعتبرون أن الحدود مورد مالي»».

مصدر أمني: ليبيون لجأوا إلى تونس بعد اشتباكات قرب الحدود التونسية

ووصفت الدراسة التي أعدها الباحثان فريدريك ويري، كاثرين بولوك، الاحتجاجات المتتالية للسكان الليبيين والتونسيين من عمليات إغلاق الحدود وإنفاذ الأمن فيها بأنها «تعبير فاقع عن هذا الإحباط»، مشيرة إلى أن «العديد من المحتجين التونسيين عمدوا في يونيو 2018 إلى إغلاق الطريق الرئيس في بن قردان الذي تستخدمه الشاحنات لتصدير البضائع إلى ليبيا».

إغلاق الحدود
وبينت الدراسة أن «الحكومة الليبية عمدت إلى إغلاق الحدود، مما أشعل لهيب توترات دبلوماسية مع تونس. ومع قدوم منتصف أغسطس، انخرطت بلديتا بن قردان وزوارة في محادثات لإعادة فتح الحدود، تمخضت عن تشكيل لجنة ثنائية مشتركة».

ودعا المركز البحثي الأميركي «الأطراف المحلية والدولية إلى استكمال الإجراءات الأمنية عبر التركيز أكثر على الاقتصاد غير الرسمي عبر الحدود، ومواصلة دعم موارد معيشة العديد من البلدات الحدودية»، ورجحت في الوقت نفسه أن «تتداعى الحلول التكنولوجية والأمنية من دون مشاركة وانضمام المستفيدين المحليين من هذا الاقتصاد بما في ذلك الكارتلات وكذلك السكان.

مراقبة أمنية إلكترونية
وفي هذا السياق، وحسب الدراسة، «تواصل وكالة خفض التهديدات الدفاعية التابعة للحكومة الأميركية استخدام منحة قدمت العام 2016 بقيمة 24.9 مليون دولار، لإقامة نظام مراقبة أمنية إلكترونية على طول الحاجز الذي يغطي نحو نصف طول الحدود». وأضافت «ألمانيا هي الأخرى تساهم في هذا الجهد، وقدمت زهاء 41 مليون دولار لتوفير أجهزة مراقبة ورصد متحركة»، معتبرة أن «الحاجز، الذي بنته تونس بمساعدة وكالة خفض التهديدات، فهو كناية عن نظام من المتاريس يشمل أكوامًا رملية، وخنادق مليئة بالماء، وأسوارًا».

مساعٍ أوروبية لتعزيز أمن الحدود التونسية مع ليبيا والجزائر لمنع عبور الإرهابيين

وأعادت التذكير بانخراط «الاتحاد الأوروبي في جانب من جهود المساعدة في مجال الأمن الحدودي»، مشيرة إلى «توقيع كل من رئيس بعثة المساعدة، فنسنزو تاغليافيري، ووزير العدل، محمد عبدالواحد عبدالحميد، مذكرة تفاهم تضفي الطابع الرسمي على التعاون الثنائي».

صلاحيات بعثة المساعدة
وتوسع هذه المذكرة، حسب «كارنيجي»، صلاحيات بعثة المساعدة بهدف «تكريس الأسس الراسخة لحكم القانون في ليبيا»، وقد منح الاتحاد الأوروبي البعثة 20 مليون دولار لمدة 16 شهرًا لدعم هذه الصلاحية».

ونصحت الدراسة السلطات المحلية على جانبي الحدود بالتمييز بين «الظواهر الآنية المجحفة، كتهريب البشر والأسلحة، وبين عمليات التهريب الصغيرة للسلع كالوقود والسجائر، بدلا عن إغلاق الحدود»، وطالبت بـ«سياسات عملية على الأرض تركز على توفير موارد دخل بديلة، من خلال زيادة القدرة التنافسية الزراعية، وإدخال إصلاحات على ملكية الأراضي، والتدريب على المهارات، وتحسين البنى التحتية، والاستثمار في مشاريع التنمية».

المساعدات الاقتصادية
ودعا «كارنيجي» الأطراف الدولية إلى تخصيص المساعدات الاقتصادية والدعم للمناطق الحدودية. أضافت إلى ما سماه بـ«تركيز السياسات الأوسع على ترقية الروابط التي تدعم أولئك المنخرطين بنشاط في القطاع غير الرسمي.

واعتبرت الدراسة أن «التجارة الثنائية غير الرسمية عامل مهم لكلا البلدين، حيث قدرها البنك الدولي بنحو 498 مليون دولار في العام 2015»، لافتة إلى « أكثر من نصف النقود المتداولة في ليبيا يتركز في القطاع غير الرسمي، فيما يمثل الاقتصاد غير الرسمي التونسي التقارير، ما بين 39 و50% من الداخل المحلي الإجمالي».

عائدات التهريب
وسرد المركز الأميركي أرقاما تقديرية لعائدات التهريب والتي بلغت «200 مليون دولار للسجائر، و148 مليون دولار للوقود، و150 مليون دولار لسلع أخرى. فيما تراجع تهريب بعض السلع الاستهلاكية (الإلكترونيات، والملابس، والأدوات المنزلية) في الفترة بين 2013 و2015». وأوضح أن «إعادة العلاقات الاقتصادية الثنائية أمر حاسم»، داعيا إلى معالجة «سياسات الرسوم والدعم غير المتناظرة هذه في ليبيا وتونس، من خلال زيادة التعاون الاقتصادي الذي يتضمن العمل بشكل متسق بين البلدين على تحسين الوضع الحدودي».

الميليشيات والتجارة غير الشرعية
وركزت الدراسة على التحديات التي تواجه جهود عرقلة الحدود على الجانبين، إذ حذرت من دور «الميليشيات الليبية، التي تجني غالبا أرباحها مباشرة من التجارة غير الشرعية»، معتبرة أنها تقوض «جهود الحكومة الليبية في هذا الصدد»، وأوضحت «أن 15 ميلشيا متنافسة العاملة على طول الحدود في ليبيا تعرقل جهود تعزيز أمن الحدود، وازدادت تنافساتها ضراوة على أرباح التهريب، بسبب غياب وجود رد فعل موحد من الحكومة الليبية».

«ديلي ميل»: انتقادات لتمويل ألماني وخطط مراقبة دائمة للحدود التونسية-الليبية

ونبهت إلى أن «النفوذ المتنامي للجماعات السلفية في هذا النزاع الحدودي يعكس مدى توسع مثل هذه المنظمات عبر القطاع الأمني الليبي، ويضيف عامل تعقيد إضافيا على المشهد الأمني الحدودي المأزوم أصلا». وضربت مثلا بـ«هجوم اللواء أسامة الجويلي على أبو كماش، قرب رأس جدير)، الذي أدى إلى إغلاق المعابر الحدودية في يناير 2018 لنحو 24 ساعة على الأقل، ودفع بعض مسؤولي الحدود الليبيين إلى اللجوء إلى تونس».

وواصلت سرد تلك الواقعة بالقول «بعد وقف إطلاق النار وأيام عدة من المفاوضات، توصل الجويلي وحكومة الوفاق الوطني الليبية إلى اتفاق تسلمت بموجبه الحكومة الرسمية زمام السيطرة، لكن الاتفاق تطلب أيضا أن يقوم الجويلي بالمراقبة ودمج الجماعات المسلحة»، معتبرة أن «هذه التسوية لم تر النور على الأرض وأثارت توترات عميقة في زوارة».

نقص التواصل
في المقابل، نبه «كارنيجي» إلى «نقص التواصل بين قوات الأمن والجيش التونسيين، إذ يقال إن الجيش يتمنع عن مشاطرة قوات الأمن التونسية الأخرى المعدات والمعلومات (التي يحصل عليها من مساعدات أجنبية)، مما يعيق عمل الدوريات عبر الحدود».

وأخيرا، نصح المركز البحثي بصياغة «استراتيجية اجتماعية- اقتصادية فضلا عن المساعدات الأمنية الدولية» داعيا إلى «إيلاء اهتمام أكبر لإصلاح المؤسسات الأمنية، ومكافحة الفساد، وفي حالة ليبيا دعم المصالحة السياسية الوطنية»، ولفتت إلى أهمية «تنسيق معدلات الرسوم والضرائب وبين تشجيع صفقات الاستثمار الثنائي، وصولا حتى إلى إقامة منطقة تجارة حرة إقليمية.

برأيك ماهو المسبب الرئيسي للإزدحام المروري؟