أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الإثنين 19 نوفمبر 2018.

آثار التدخل الخارجي السلبي في ليبيا وسبل الانعتاق من مآسيره

المركز الديمقراطي العربي


    المركز الديمقراطي العربي

في ظل النظام الدولي المعولم، وزيادة وتيرة الاعتماد المتبادل بين الدول في الإنتاج والأمن، وكل استحقاقات الحياة الطبيعية القائمة على التعاون والتكامل بين الدول، لم يعد بإمكان أحداً العيش بمعزل عن الآخرين. وفي ضوء هذا التشابك العلاقاتي الذي طبع العلاقات الدولية المعاصرة، أصبح الحديث عن العيش بدون مؤثرات صعب المنال، فالواقع الدولي يقع تحت طائلة التأثير المتبادل بين كل وحداته، بيد أن هناك من يفضل أن يعيش خارج إطار التأثيرات القوية والعميقة، ويحاول النأي بنفسه عن تداعيات هذه التأثيرات حفاظاً على مكاسب يخشى عليها حال الولوج في عالم العلاقات المتبادلة.

    ظلت ليبيا كغيرها من الدول القلائل، ساحة شبه مقفولة من التأثير الخارجي إبان حقبة القذافي الطويلة، وتعزى تلك الحالة لطبيعة نظام القذافي شديدة الحساسية من أي اختراق ولو كان تحت أي مسمى، واستمرت ليبيا ساحة تساس بأجندة داخلية شبه محضة من وحي نفس القذافي، الذي كان يدرك تماماً أن من شأن انفتاح الداخل لمؤثرات الخارج أن يُلحق بحكمه الحصري أضرار خطيرة، وأمام ذلك قطع الطريق على أي تدخل ومعها سد باب المخاطر الأمنية الداخلية، لقد أوغلت الكتائب الأمنية في حسها الأمني وإخلاصها للعقيد القذافي، وأرهبت من يعترض هلاوس حكمه ولو كان ضرباً من الجنون، بل وأعانت نفسها بتصوير تلك الحماقات الأمنية بحق الشعب بأنها عين الحكمة. سوى أن قبضة القوة التي بها استعان على تحقيق موضعة الاستقرار والأمن كانت تراكم احتقانات ومظالم لا حصر لها، فهو عندما سدّ خطر التأثير الخارجي، لم يفطن إلى تنفيس داخلي يحول وانفجار جدار الكبت الداخلي.

ومع انفجار الساحة الداخلية الليبية التي انتهت بسقوط جدار القذافي الأمني وانهيار سطوة أذرعه الداخلية أصبحت ليبيا مفتوحة الجدران والآذان لكل الفاعلين الإقليميين والدوليين، دونما اعتبارات المصلحة الليبية بكل محدداتها. وأصبح التدخل على مصراعيه هو سيد الحال، وأخذت شيئاً فشيئاً آثار التدخل السلبي تتفشى، وتنال من بنية الدولة وبنية استقرار المجتمع ومكتسباته الاقتصادية والأمنية، حد أن تعالت الأصوات بالترحم على القبضة الأمنية السابقة بكل مساوئها.

وقد بات واضحاً بأن هناك قوى خارجية تسعى لبعثرة المكتسب الثوري وتشويهه مستغلة رخوة المخاوف التي تتملك بعض رموز وأعوان النظام السابق، وبث رعب محاكمة ماضيها خصوصاً في ظل غياب تفعيل بنود المصالحة الوطنية، وبدل دعمها السخي لتلك القوى وتطميعها في العودة إلى السلطة ولو كان الثمن خراب ليبيا بما فيها، وعلى الطرف الآخر تقف بعض القوى الثورية مستميتة بعدم التفريط بما تحقق من هامش لن تتنازل عنه ولو كان الثمن باهظاً.

مع التسليم بأن ليبيا ليست ساحة معزولة عن العالم، إذ تتأثر كغيرها من الدول في محيط علاقاتها الخارجية، لكن يجب أن لا يبلغ ذلك التأثير حد العبث بثواتبها الوطنية، وتمزيق بنية استقرارها المجتمعي تحت أي مبررات كانت، إذ يجب أن تبقى تلك التأثيرات في حدود ما هو متعارف عليه، وبما يحفظ مصالح الدول بعيداً عن تلك المهزلة القائمة، والتي تنال من ليبيا أكثر من غيرها والتي استطاعت تلغيم الساحة الليبية بقطيعة مخاوف غير حقيقية.

وبالرغم من أهمية وأولوية البعد الإنساني في منطق التدخل الأممي في ليبيا لحماية المدنيين من بطش ونكالات آلة القذافي العسكرية، سوى أن ذلك التدخل وفق الكثير من المراقبين تجاوز روح القرار الأممي، عندما منح نفسه إرادة إسقاط القذافي ونظامه بتلك الصورة السريعة التي بدت، وكأن هناك أبعاد أخرى تقف خلف ذلك التوجه الأممي القوي تجاه نظام القذافي، بحيث بدت صورة التدخل وكأنها انتهاك لروح مبدأ عدم التدخل مقابل أولوية مبدأ مسؤولية الحماية.

وهناك من يرى أن دعم الثورة الليبية يعزى لمبدأ المصالح الحيوية للدول محل التأثير في المنظومة الأممية، ولما تتمتع به ليبيا من أهمية اقتصادية، كونها تمتلك واحداً من أهم احتياطيات النفط والغاز العالمي، وكم هو حيوي بالنسبة لأوروبا بالذات وللسوق العالمي إجمالاً، وهو ما لا يمكن عزله عن التنافس بين القوى العالمية الكبرى. فليبيا أيضاً يُنظر إليها فرصة اقتصادية مغرية من حيث مواردها الأولية، كسوق استثمارية مربحة وما زالت واعدة. وهو ما يبرر الأهمية الحالية والمستقبلية لليبيا. وعليه، لا يمكن تجاهل موقع ليبيا ضمن الإستراتيجية العالمية للولايات المتحدة وسياساتها الإقليمية بأفريقيا، فليبيا بحكم موقعها الاستراتيجي تتحكم في بوابة الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا، وما يعنيه ذلك من هواجس أمنية بالنسبة لأوروبا أيضاً.

جملة هذه الأسباب شجعت تلك المنظومة الدولية في انتهاز فرصة التدخل الإنساني للتخلص من نظام مغامر وغير مستقر في محدداته السياسية، ولكي تكون قريبة من معادلة التفاعل السياسي، ومحاولة صياغة النظام السياسي الجديد في ليبيا، من خلال التحكم في قنوات اتخاذ القرار، كي تكون أكثر تأثيراً ونفوذاً خدمة لمصالحها.

وفي ضوء الشواهد العديدة، أتضح أن التدخل الخارجي الذي شارك بل وسرّع في إسقاط نظام القذافي هو ذاته الذي انقلب على مكتسبات الثورة الليبية ولكن بطريقة غير مباشرة، من خلال تأجيج الخلافات بين كافة أطياف المجتمع الليبي وزيادة حدة الصراعات القبلية والجهوية من جهة، وتحويل ليبيا إلى منطقة لممارسة النفوذ الأجنبي من جهة أخرى. بمعنى أوضح، أنه نفذ أجندته الانقلابية بأياد عربية وداخلية، لينأ الغرب وتحديداً الولايات المتحدة بنفسه عن الظهور بوجهه الانقلابي القبيح ضد إرادة الشعب الليبي، انطلاقاً من مصالح الغرب المرتبطة بالاستبداد وحساسيته من أي عملية ديمقراطية تفضي إلى مؤسسات قد تشكل خطراً على أطماعه. وهذا بدوره ترك الساحة الليبية مرتعاً لفوضى جماعات العنف والميليشيات المسلحة المتناحرة على اختلاف مسمياتها بأبعادها السياسية والمناطقية وفق حسابات ضيقة الأفق، مما ساهم في تعثر المسار الديمقراطي، في حين أن الليبيين كانوا بحاجة إلى دولة المؤسسات الديمقراطية الحديثة والمجتمع المدني، إضافة إلى دولة قوية تكمن في مؤسسة عسكرية وأمنية تتكون في إطار الشرعية المنبثقة من الإرادة الشعبية الجديدة بعيداً عن المحاصصات المناطقية والفئوية، لا أن نستبدلها بالعصابات التي تمارس عمليات التخريب الآن، أو خيار عسكري يعود بنا إلى الحقبة السابقة، وهذا جزء من سيناريو تشويه المكتسب الثوري وإطاحته. كما هم بحاجة أكبر إلى هامش كافٍ من الوقت لنجاحها وليس بحاجة إلى دولة الميليشيات التي تصنّع وتفرّخ بعيداً عن الأجندة الوطنية.

وفي خضم معادلة صعبة ومكلفة بحق كل أطراف العمل السياسي في ليبيا، لا بد من محاصرة المخاوف وتجسير وردم هوة الخلافات بين تلك القوى المتنازعة، وبناء الثقة والشراكة في مفهوم العلاقات المتنافرة، ولن يتأتى ذلك بدون جلوس مكاشفة على دائرة المصالح الوطنية ولغة الحوار السلمية بكل متغيراتها وحساباتها للنأي بليبيا عن مخلب التأثير الخارجي السلبي خصوصاً وأن ليبيا بما تملكه من مزايا اقتصادية كبيرة مقارنة بعدد سكانها المحدود تساعد أطراف العمل السياسي وتعفيهم بأن يتعاطوا مع الأفكار السلبية للتأثير الخارجي، أو أن يصبحوا أدوات يهدم بهم الخارج بنية الداخل الليبي، وبإمكان النخب السياسية الحاكمة في ليبيا الاعتماد على أنفسهم لإيجاد حلول لما يواجهونه من مشكلات وتحديات دون أدنى تدخل من جانب أية أطراف خارجية، إقليمية أو دولية، هذا بالإضافة إلى العمل على تجاوز آثار الماضي بكل مظالمه، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة جبر الضرر الذي خلفته فترة حكم العقيد” القذافي”.

في ضوء الصراعات الحادة التي يتسم بها المشهد السياسي والأمني الليبي، يبدو أنه مفتوح على سيناريوهات عدة وذلك وفقاً لما سوف تسفر عنه تفاعلات الصراع، ومدى حرص واستعداد فرقاء العمل السياسي والعسكري تقديم تسهيلات حقيقية في طريق رأب الصدع الليبي الداخلي والاحتكام لمنطق المصلحة الوطنية، بعيداً عن تأثيري المصالح الضيقة وأجندة التجاذبات الخارجية في ليبيا، ومعاناة البلد والمواطن على كل المستويات. فمن شأن تباعد الفرقاء وتمترسهم خلف طروحاتهم بأبعادها السياسية والمناطقية والمحاصصية الحادة، فآفاق كارثية تنتظر مستقبل البلد ووحدته وتنميته على الأقل في الأمد المتوسط، وفي المقابل نأمل أن يكون هناك السيناريو الأفضل وهو تقارب حقيقي بين أطراف الصراع يأخذ بعين الاعتبار مصالح البلد بعيداً عن الحسابات والمخاوف والشكوك المتبادلة بحيث نفوّت على الخارج تدخلاته السلبية، وبما يضمن تكتيل الصف الوطني لخدمة الأمن والاستقرار وخروج ليبيا من أزمتها الراهنة. كأن يركز الليبيين على بناء منظومة أمنية وعسكرية على أسس وطنية تكون مهمتها حماية العملية السياسية الوليدة والسير قدماً في المطالب الإصلاحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

بعد منح الإعتمادات للتجار هل لاحظت إنخفاضاً في أسعار السلع التموينية؟

نعم - 0%
إلى حد ما - 19.6%
لا - 78.3%

مجموع الأصوات: 46
انتهت عملية التصويت في هذا الاستطلاع