أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الثلاثاء 23 يوليو 2019.

احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا – الاسباب والتداعيات

بدأت الاحتجاجات قبل ثلاثة أسابيع، احتجاجا ورفضا لقرار زيادة الضرائب على أسعار الوقود، قبل أن تتطور بعد ذلك لتعكس غضبًا واسع النطاق على الحكومة، وتشمل قضايا أخرى منها إصلاحات في نظام التعليم. شارك حوالي 300 ألف شخص في التظاهرة الأولى التي خرجت في 17 نوفمبر/تشرين الثاني في أنحاء البلاد. عندما تجمع مرتدو الستر الصفراء في شارع الشانزلزيه في باريس ، فأطلق رجال الشرطة عليهم القنابل الصوت واستخدام  “خراطيم المياه”، بينما أطلق المتظاهرون المقذوفات وأضرموا النار في بعض البنايات. وقد أشعلت النيران في حوالي 190 موقعا بينها 6 بنايات، حسب ما صرحت وزارة الداخلية. وأغلقت المخازن التجارية ومحطات المترو نتيجة أحداث العنف.

    لماذا (السترات الصفراء) ؟

اطلق اسم “الستر الصفراء” على المحتجين، لكونهم نزلوا للشوارع مرتدين الستر الخاصة بالرؤية الليلية لسائقي السيارات,  واغلبهم من المتقاعدين والفلاحين والعمال اصحاب الاجور المتدنية,  وليست هناك قيادة واضحة للاحتجاجات، وقد اكتسبت زخما عبر وسائل التواصل الاجتماعي وجذبت إليها فئات مختلفة من الفوضويين في أقصى اليسار إلى القوميين في أقصى اليمين.

السبب الرئيس والمعلن للمحتجين هو قرار الحكومة الفرنسية برفع اسعار الوقود وزيادة في نسب الضرائب إذ ارتفع سعر الديزل، وهو الوقود الأكثر استخداما في السيارات الفرنسية، بنسبة 23 في المئة تقريبا في السنة الماضية، حيث بلغ 1.51 يورو للتر. وكانت أسعار الوقود العالمية قد ارتفعت، لكنها عاودت الانخفاض، لكن حكومة ماكرون رفعت ضريبة الهيدروكربون هذه السنة بقيمة 7.6 سنت للتر الديزل و 3.9 سنت للتر البنزين، كجزء من حملة لتشجيع الوقود النظيف. ونظر المحتجون إلى قرار رفع إضافي لسعر الديزل بقيمة 6.5 سنت و 2.9 سنت للبنزين على أنه القشة التي قصمت ظهر البعير.

نتيجة لتويع حركة الاحتجاجات في مختلف المدن الفرنسي بتاريخ 2  ديسمبر/ كانون الأول 2018 طالب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس وزرائه إدوار فيليب بإجراء محادثات مع زعماء سياسيين ومتظاهرين بهدف إيجاد سبيل لإنهاء الاحتجاجات التي عمت البلاد. وكان ماكرون قد ترأس في وقت سابق اجتماعا أمنيا عاجلا، عقب يوم من أعمال الشغب التي قام بها مئات المحتجين على إجراءات الحكومة.  وكان الرئيس ماكرون قد توجه مباشرة إلى قوس النصر لتقييم الاضرار بعد عودته من اجتماع قمة العشرين في الأرجنتين.

اجراءات الحكومة الفرنسية:

    أعلن رئيس الوزراء ، إدوارد فيليب، أن 89 ألفا من رجال الشرطة سيكونون في الخدمة بجميع أنحاء فرنسا، بالإضافة إلى نشر عربات مدرعة في أرجاء العاصمة الفرنسية. وحثت الشرطة ملاك المتاجر والمطاعم في منطقة الشانزليزيه على إغلاق أعمالهم يوم السبت أثناء الاحتجاجات المرتقبة، كما سيجري إغلاق عدد من المتاحف.
    أعلنت الحكومة الفرنسية إنها ستجمد القرار المثير للجدل بزيادة ضريبة الوقود في ميزانيتها،  وان رئيس الوزراء أعلن رفع الضرائب 6 أشهر بعد اتساع المواجهات بين الأمن والمحتجين, محاولة لاحتواء موجة الغضب التى خلفت عشرات المصابين فى مواجهات ممتدة بين الأمن والمحتجين.
    الحكومة الفرنسية في سباق مع الزمن. وقد أجرت عشرات المقابلات في قصر ماتينيون مع قادة المعارضة للتشاور معهم وسماع اقتراحاتهم لوضع حد للأزمة التي تمر بها فرنسا. وأجتمع الرئيس إيمانويل ماكرون مع ممثلين عن النقابات العمالية واتحادات أرباب الأعمال وجمعيات المسؤولين المحليين المنتخبين الاثنين10/12/2018.

المواقف الدولية من حركة الاحتجاجات:

    الموقف الامريكي تمثل بالتي:
    أعلن الرئيس الامريكي دونالد ترامب  في عدة تغريدات على توتير أولها  يوم الأربعاء 5/12/2018، ولتي بين فيها ترامب خلالها أن احتجاجات باريس جاءت لتقدم دليلا دامغا على صحة رؤيته فيما يتعلق بالانسحاب من اتفاقية باريس المناخية، تمثل انعكاسا واضحا لمباركة الولايات المتحدة للحراك الفرنسي، ومحاولتها تأجيجه  فى إطار سعيها لابتزاز الحكومة الفرنسية، للحصول على أكبر قدر من المكاسب، خاصة وأن حاول الربط بين الإجراءات التى تتخذها الحكومة الفرنسية فى إطار التزامها بالاتفاقية التى تهدف إلى حماية البيئة من جانب، والقرار الذى اتخذته بزيادة أسعار الوقود،لذي تراجعت الحكومة عنه بسبب الاحتجاجات .
    النهج الذى يتبناه الرئيس الأمريكى تجاه الأزمة الفرنسية يمثل امتدادا صريحا لدبلوماسيته تجاه الحلفاء فى أوروبا، والتى تقوم فى الأساس على تغيير قواعد العلاقة التاريخية بين الجانبين، مع محاولات إرضاخهم لتحقيق الرغبات الأمريكية فى مختلف القضايا، وهو ما بدا واضحا فى قراره بفرض رسوم جمركية على الواردات القادمة من أوروبا للولايات المتحدة، وهو ما يعد بمثابة نقطة تحول فى العلاقات الأوروبية الأمريكية.
    إلا أن معاهدة باريس المناخية ربما لا تكون القضية الوحيدة التى ربما يضغط من أجلها الرئيس الأمريكى على نظيره الفرنسى لتقديم تنازلات بشأنها، ولكنها تمثل حقيقة الأمر مقدمة لضغوط أخرى، سوف تقدم عليها الإدارة الأمريكية فى المرحلة الراهنة استغلالا لحالة الخلل التى تشهدها الساحة السياسية الفرنسية جراء المظاهرات العنيفة، خاصة وأن الخلافات بين ترامب وماكرون تبدو أعمق بكثير من قضية التغير المناخى، ربما لتتجاوز المواقف الدولية، إلى التصريحات الشخصية التى أدلى بها ماكرون فى العديد من المحافل فى الفترة التى سبقت التظاهرات، ويعد حديث ماكرون عن ضرورة تأسيس جيش أوروبي مشترك كان أحد أبرز القضايا التى أثارت جدلا كبيرا بين واشنطن وباريس والموقف الفرنسي كذلك من الاتفاق النووى الإيراني يمثل أحد أبرز الخلافات بين إدارة ترامب وحكومة ماكرون، خاصة مع التمسك الفرنسي بالاتفاقية النووية التى وقعتها القوى الدولية الكبرى مع طهران، برعاية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، فى يوليو 2015، أذ فرنسا ترى أن قرار ترامب بالانسحاب من الصفقة النووية فى آيار الماضى غير مبررا، خاصة وأن القرار جاء أحاديا دون تنسيق مع الدول الأخرى المشاركة فى الاتفاق، وعلى رأسهم حلفاء واشنطن، وهم ألمانيا وفرنسا وبريطانيا.
    تطور الامر الى درجة ان صرح وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان 9/12/2018 الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى عدم التدخل في الشؤون السياسية الداخلية لفرنسا بعد تعليقاته حول مظاهرات “السترات الصفراء”. وقال لو دريان في برنامج تلفزيوني “أقول لدونالد ترامب، ورئيس الجمهورية (إيمانويل ماكرون) قال له أيضا: نحن لسنا طرفا في النقاشات الأمريكية، اتركونا نعيش حياتنا حياة أمة”. وتابع “نحن لا نضع السياسة الداخلية الأمريكية في حساباتنا ونريد أن يكون ذلك بالمثل”.
    دخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فقد انتقد السبت 8/12/2018 “العنف المفرط” الذي تستخدمه السلطات الفرنسية على حدّ قوله في تفريقها لمظاهرات “السترات الصفراء”، مؤكّدا أنّه يتابع الوضع في فرنسا “بقلق”. وقال أردوغان “الفوضى تعمّ شوارع دول أوروبية عدة بدءا بباريس. شبكات التلفزيون والصحف تنشر صورا لسيارات تحترق ومحلات تجارية تنهب وردّ الشرطة العنيف جدا ضدّ المتظاهرين”. وأضاف “تركيا ترفض في آن معا مشاهد الفوضى التي يسبّبها المتظاهرون والعنف المفرط في مواجهتهم”، موضحا أنّه يتابع الوضع “بقلق”. وقال أردوغان ساخرا “انظروا ماذا يفعل الشرطيون التابعون لأولئك الذين كانوا ينتقدون رجال الشرطة لدينا!” معتبرا أنّ أوروبا “فشلت في مجالات حقوق الإنسان والديموقراطية والحريات”.
    دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قوات الأمن الفرنسية إلى عدم الإفراط في استخدام العنف والتحلي بالإنسانية.
    اعلنت  السلطات  الفرنسية  أنها تحقق في وجود حسابات إلكترونية  مزيفة تضخم حركة احتجاج “السترات الصفراء”على خلفية احتجاجات حركة “السترات الصفراء”، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي حسابات إلكترونية تنشر معلومات مزيفة لتضخيم هذا التحرك الشعبي، وفي هذا الشأن فتحت السلطات الفرنسية تحقيقا لتتبعها، وفق ما أوضح مصدر مقرب من الملف. وعلى نفس الصعيد، قالت صحيفة “التايمز” البريطانية إن مئات الحسابات المزيفة التي تدعمها روسيا تسعى إلى تضخيم حركة “السترات الصفراء”، لكن هذه المعطيات لم تؤكدها السلطات الفرنسية ومازات بصدد التأكد من مدى صحتها تسعى السلطات الفرنسية إلى تتبع الحسابات الإلكترونية المزيفة التي تقوم بتضخيم حركة “السترات الصفراء” الاحتجاجية على مواقع التواصل الاجتماعي، واشار المصدر مصدر إن “الأمانة العامة للدفاع والأمن الوطني” هي الهيئة المكلفة بتنسيق عمليات التحقق الجارية.
    يترقب الفرنسيون ما سيعلنه ارئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خطابه الذي من المقرر أن يلقيه غدا الاثنين. وتشير بعض التسريبات إلى أن الرئيس الفرنسي سيكشف عن مجموعة من التدابير الاجتماعية التي من شأنها تعزيز القدرة  “حان وقت الحوار”، هكذا صرح رئيس الحكومة الفرنسية إدوار فيليب غداة المظاهرات الحاشدة التي نظمتها يوم السبت  8/12/2018 حركة “السترات الصفراء” في عدة مدن فرنسية، إذ بلغ العدد 125 ألف متظاهر. وتابع: “إيمانويل ماكرون سيخاطب الفرنسيين (ربما يوم الاثنين) لكي يطمئنهم ويعيد اللحمة في صفوف الأمة الفرنسية لكي تكون قادرة على مواجهة تحديات المستقبل”. هذا، وعلمت جريدة “لوبرزيان” أن الرئيس ماكرون سيلقي خطابا متلفزا مساء غد الاثنين “لامتصاص غضب الفرنسيين”. وسيعلن بهذه المناسبة عن مجموعة من القرارات الرامية إلى تهدئة الوضع، من بينها رفع مستوى القدرة الشرائية للفرنسيين وتعزيز مبدأ العدالة الاجتماعية. زيارات ميدانية لإحياء الوصل مع الفرنسيين وحسب نفس اليومية الفرنسية.
    يوم 10/12/2018أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى تعزيز القدرة الشرائية الفرنسية، أبرزها الزيادة بالحد الأدنى في الرواتب بمقدار 100 يورو شهريا ابتداء من الشهر القادم.

ودعا في خطابه للشعب الفرنسي لحوار شامل معلنا عن “حالة طوارئ اقتصادية واجتماعية”، وقال “نحن في لحظة تاريخية”ومضيفا إن فاتورة الزيادة في الحد الأدنى في الرواتب لن تدفعها الشركات , كما أعلن عن إلغاء الضريبة على معاشات التقاعد بالإضافة إلى إلغاء الضريبة على ساعات العمل الإضافية، وتقديم منحة للأسر المعوزة.

وأكد تصميمه على الرد على الوضع الاقتصادي والاجتماعي الملح بإجراءات قوية من خلال خفض الضرائب بشكل أسرع ومن خلال استمرار السيطرة على إنفاقنا ولكن دون التراجع عن سياستنا” مؤكدا رفضه إعادة فرض الضريبة على الأثرياء.

وتحمل ماكرون جانبا من المسؤولية عما شهدته البلاد، وقال “أتحمل جزءا من الوضع الذي نعيشه رغم أن جذور الأزمة الحالية قديمة”، موضحا أن الاحتجاجات التي عرفتها البلاد مؤخرا مردها إلى “ضائقة مستمرة منذ أربعين عاما”، وشدد على ضرورة أن “نخرج من هذه الأزمة معا كشعب موحد”. ما انتقد أعمال الشغب التي عرفتها الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها المدن الفرنسية، وقال بالخصوص “لا يمكن لأي غضب تبرير أعمال العنف والشغب”. يشار إلى أن خطاب الاثنين هو أول خطاب للرئيس موجه للشعب منذ اندلاع الاحتجاجات التي تقودها حركة السترات الصفراء قبل نحو شهر.

التداعيات:

    أن الغاء قرارات زيادة اسعار الوقود والغاء زيادة الضرائب و أن تعليق العمل بزيادات مزمعة على ضرائب الوقود لستة أشهر، حسبما أعلنته الحكومة الفرنسية لتهدئة محتجى ما يعرف بحركة “السترات الصفراء”، سيكلف الدولة مليارى يورو (2.3 مليار دولار)
    انخفاض عدد السياح الذين كان من المقرر أن يزوروا فرنسا ويقضوا فيها أعياد الميلاد ونهاية السنة. ومن المتوقع أن تنخفض نسبة نمو الاقتصاد الفرنسي في الفصل الأخير من العام 2018 إلى 0,5 بالمائة، خلافا للتنبؤات.
    الحجم الكبير للاضرار الاقتصادية ( حرق ونهب المباني المحلات التجارية والسيارات ) , والاجتماعية ( استخدام الشرطة للعنف المفرض واعتقال واستجواب مئات الطلبة والشباب المحتجين وقد تجاوز عددهم اكثر من الف .
    يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحديات كبيرة وإن هامش المناورة ضيق أمامه الرئيس ماكرون وعليه أن يولي اهمية للسلم الاجتماعي الضروري وسيتعين عليه عدم الإغراق في الوعود واتخاذ تدابير عاجلة لرفع القدرة الشرائية للمتقاعدين والطبقة الوسطى والتحلي بالتواضع والواقعية للخروج من هذه الأزمة المستمرة منذ أسابيع,  وعليه إيجاد محاورين حقيقيين من السترات الصفراء وتقديم خطة لدعم الأجور الصغرى، ووضع حد للقرارات الآتية من فوق.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل توصيات لجنة الطوارئ التي اعتمدها السيد/ السراج تؤتي ثمارها في تخفيف أوزار الحرب على المواطنين في طرابلس؟

نعم - 15.4%
إلى حد ما - 23.1%
لا - 61.5%

مجموع الأصوات: 13
انتهت عملية التصويت في هذا الاستطلاع