أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأربعاء 20 مارس 2019.

السودان المسيل للدموع

صورة ذات صلة

أيام الجمر المعتادة. الغلاء في رغيف الخبز والدواء والحاجة تدعو للانتفاض وسط سلة غذاء ضخمة فى أفريقيا اسمها السودان، تتربع على الصحراء والغابات والنيل والبحر والأساطير والحكايات عبر جسور يمر تحتها الأبيض والأزرق، وتتدفق مياه كثيرة وأحيانًا دماء.
السودان مثل شبه قارة بين الأرض والسماء. مثل أمم مختلفة ومتناثرة. فسيفساء ملونة تطل على الأحداث بين حين وآخر فى استحياء. السودان يدعو للتأمل والحيرة أحيانا أخرى.

ماذا يحدث في ذلك القريب منا. صمت ومراقبة من بعيد لدى البعض. أخبار على خجل تذاع وتنشر في الصحف والمواقع ومناظر للمسيرات نحو القصر والحشود والحرائق فى مدن السودان دون الجنوب المنفصل الذي أراح واستراح منذ زمن قريب ولكن إلى حين. واتهامات وإشارات ترتفع نحو الحزب العجوز بأنه وراء مايحدث. والمقصود هنا الحزب الشيوعي أعرق الأحزاب العربية الماركسية.

فما الذي يدور عبر تلك الضفاف الزرقاء والبيضاء؟.

بدأت الحرارة ترتفع أواخر العام الذي رحل. بعد ستين عامًا من وقوع أول تغيير عسكرى شهده السودان في السابع عشر من نوفمبر 1958. الفريق إبراهيم عبود الذي تخرج ضابطًا في الخرطوم عام 1918 وحارب ضمن قوة دفاع السودان فى الكفرة عندنا أيام الحرب العالمية الثانية يشكل مجلسًا عسكريًا من اثنى عشر ضابطًا ويستمع الناس إلى أنه ورفاقه أتوا لتصحيح الأوضاع. توقفت الديمقراطية وألغيت الأحزاب والمؤسسات المدنية والصحف وعطل الدستور. لم يقل عبود أن ذلك ثورة. لم يصفه بأنه انقلاب. اكتفى بالتصحيح فقط. كان ذلك يقع فى عداد التغيرات العسكرية المتلاحقة التي تمت في المنطقة وامتدادًا لما حدث في سوريا ومصر والعراق. كانت تجارب قريبة ومتماثلة وإن اختلفت التفاصيل والظروف ولم يكن ثمة دماء تسيل على الضفتين ولعل ماسهل النجاح للتصحيح في نوفمبر هو حماس رئيس الوزراء عبدالله خليل العسكري القديم لتسليم الأمور إلى الجيش بعد أن استعصت عليه لغة الحلول الديمقراطية وتعطلت عن الكلام.

وخلال هذه الأعوام ومابعدها كان الطريق نحو الديمقراطية مؤلمًا وشاقًا تحوطه العراقيل وتكتنفه الصراعات ويحفل بالعديد من المعاناة. وللإنصاف فإن السودان حقق استقلاله في الأول من يناير 1956 دون إراقة دماء أو أحقاد بين الأطراف التي وضعت الدستور الانتقالى واتفقت في لحظة صفاء نادرة على الاستقلال ولا شىء سواه.

ذلك اليوم ابتهج السودانيون وارتدوا أفخر جلابيبهم وعمائمهم وشعروا بالسعادة تغمرهم وهم يشاهدون رفع علمهم القديم بألوانه الثلاثة الزرقاء والصفراء والخضراء من قبل اثنين من رجال السودان الوطنيين: إسماعيل الأزهري ومحمد أحمد محجوب وبحضور كل القوى والفرق الوطنية من الشعب. والواقع أن التجربة السودانية كانت فريدة فقد حققت استقلالها (بطريقة نظامية سلمية) غير أنه لم تتحقق الاستفادة منها على طول الطريق في المراحل التالية.

بدأ السودان تجربته الديمقراطية التي انتكست عدة مرات في أعوام الخمسينيات ومابعدها وسط أحداث كبيرة: البناء الاقتصادي وحرب الجنوب ومشروع آيزنهاور وتأميم القناة والاعتداء الثلاثي وحركات التحرر في أفريقيا وقضية حلايب مع مصر و14 تموز في العراق وتأثير ناصر في المنطقة وأشياء أخرى كثيرة ومتنوعة لكن ظل في كل الأحوال بخصوصيته الديمقراطية وهويته العربية والأفريقية سودانًا يكاد يعيش فى عزلة عندما يوخزه كعب أخيل في الجنوب.

وخلال هذه التجربة لم يحافظ السودان على الديمقراطية كما ينبغى فقد غمرت عباءة الأحزاب والجماعات المتناحرة تلك التجربة وضيعتها. ولم يوفر ذلك للديمقراطية فى السودان فرصة حقيقية كما قال محمد محجوب ذات مرة لأنها لم تعط فرصة كافية للنمو والرسوخ لكي تصبح مؤسسة متينة. ضاع النضال وضاعت الأماني والأحلام.

طغت على السطح مظاهر الصراع والأنانية. بعد الاستقلال كما هو الحال في دول مجاورة وبعيدة وجدت تلك الأحزاب نفسها وسط المشهد بلا هدف معين أو خطة محددة. كان هدفها الاستقلال مثل ماحدث عندنا فى ليبيا. صارت الدهشة بمجرد تحقيقه ولم يتم التقدم إلى الأمام خطوة واحدة.

والحال من بعضه في المنطقة فقد قامت الأحزاب (على الولاء القبلي والطائفي بدلًا من البرامج الصالحة أو الخطط الوطنية وظل السائد هو المناقشات الطويلة والعقيمة والاختلافات والاتهام بالفساد والإفساد والعمالة وكل شيء كريه) وهذا كله فتح الدروب سهلاً من الثكنات إلى الإذاعات.

وفي السودان كانت القبلية والطائفية وبقية الأمراض والدمامل تلتهم خطوات التجربة منذ البداية وظل المواطن في الشمال والجنوب يخترقه الحزن فلا الحزبية نجحت ولا الطائفية أيضا في الوصول إلى الأفضل. ظلت سلة الغذاء جائعة رغم كل شيء.
ومن الإنصاف أيضًا القول بأن الأحزاب حاولت وناضلت ولم تقصر في واجبها الوطني غير أنه مع بروز الأحقاد والصراعات والمصالح الخاصة جعل الخلل والاختراق ينفذ خلالها بسرعة وأدى إلى التغيير من الثكنات التي استعملت بعض الأحزاب أو كلها في أهدافها وضربتها ببعضها كما يضرب البيض. مثقفون. شعراء. شيوعيون. أخوان. قوميون. وثنيون. حزب الأمة والمهدية. حزب الشعب والختمية وعسكر. طغت القبلية والطائفية على كل المظاهر الديمقراطية والثقافة السياسية. أحزاب وتكتلات تختفي وراء قبائل وطوائف لا غير وهذا الأمر سيتكرر بنفس الصورة على الدوام في المنطقة العربية إلى الآن.

لم يستفد السودانيون للأسف حتى يومهم هذا من تجربتهم الديمقراطية بعد استقلالهم ولم يحافظوا عليها بأخطائها وإيجابياتها ولم يحاولوا إصلاحها وتطويرها والابتعاد عن القبلية والطائفية. كانت الديمقراطية تتراجع أمامهم. ثمة كوادر ومدارس سياسية وقوى وطنية تكونت واستفادت من إدارة الصراع مع الاستعمار التقليدي القديم والوجود المصري لكنها في كل أزمة ظلت تحتمي بثقافة القبيلة والطائفة. ولعل الاستفادة التي حدثت من دروس التاريخ البعيد والقريب تمثلت في تحقيق التضامن الوطني العفوي. حدث هذا في أكتوبر 1964عندما سقط عبود ثم تراجع في مايو 1969 بوصول النميري ثم تجلى ذلك من جديد في أبريل 1985 حين أعطى سوار الذهب مثالاً رائعًا وراقيًا للعزوف عن السلطة فضاعت التجربة مرة ثانية وثالثة أمام أطماع الأحزاب وانتهازيتها.

إن مشكلة السودان هي مشكلة كل بلد عربي في الغالب. الاستنساخ الطائفي والحزبي التقليدي دون أي أهداف أو تطور وحين برزت جبهة الإنقاذ خلف التغيير العسكري منذ ثلاثين عامًا فى 1989 تتكرر نفس الصورة فتتوحد الطائفة والحزب وتطالب بالتنحي فهل ستستفيد مما سيحدث؟.

إن الديمقراطية في السودان ستبقى بهذا الشكل في الميزان تتأرجح بين هذا وذاك. في بلد يستقبل عيد استقلاله الثالث والستين بمظاهرات ومطالبات تتجه نحو القصر وتتحدى الغلاء والقنابل المسيلة للدموع والعالم لايأبه بذلك حتى الآن. إنه مشغول بالبحث عن الدفء في أيام الصقيع والثلوج فيما الخرطوم وعطبره والأبيض وكردفان وغيرها تعانى من الصهد والصراخ والمطالبة بالرحيل.

السودان لا يمكن أن يترك هكذا. لابد من حل. قارة أو شبه قارة تحت جسورها يجرى نيل أزرق وأبيض في منطقة حساسة. مآذن في الشمال وأجراس في الجنوب ورقص وطبول وزنوجة وعروبة ووثنية وإسلام ومصالح خطيرة تتجاور في أفريقيا والعالم العربي ليس أولها أو آخرها القرب من ليبيا البلد الملتهب حتى الآن بلا توقف.

السودان هل يظل هكذا أو تتكرر اللعبة إياها من جديد ...؟!!.

بعد ماتقدم رئيس مفوضية الإتحاد الأفريقي بدعوة إلى تنظيم مؤتمر دولي حول ليبيا برأيك ماهو الملف الأبرز الذي سيتم تداوله؟

الحد من الصراع القائم في ليبيا - 27.3%
تعزيز العلاقات الليبية الأفريقية - 0%
الحد من ظاهرة الهجرة الغير شرعية - 31.8%
إستراتيجية جديدة لمكافحة التطرف والإرهاب - 27.3%

مجموع الأصوات: 22
انتهت عملية التصويت في هذا الاستطلاع