أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 14 فبراير 2019.

عين على الجنوب وأخرى على الغرب

 

عقب مؤتمر باليرمو، يبدو أن كافة الأطراف الليبية على المستوى المحلي، والأطراف الداعمة لها أقليمياً ودولياً، بدأت تضع في حساباتها أستخدام الملف الأمني والعسكري، من أجل تحسين تموضعها قبيل دخول البلاد في خضم استحقاقات انتخابية تبدو صعبة في مثل هذه الظروف

هذا التوتر في طرابلس ربما يخدم بصورة غير مباشرة قائد الجيش الوطني خليفة حفتر (أ ف ب)
 

على المستوى السياسي، جاءت زيارة رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي الى كل من طرابلس وطبرق والرجمة، في إطار محاولات إيطالية للبناء على مخرجات مؤتمر باليرمو، وإدامة التواصل الإيطالي مع قادة الأجسام السياسية والعسكرية الرئيسية الأربع في ليبيا، وهو المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلي للدولة خالد المشري، ورئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس فايز السراج.

وجهة النظر الإيطالية حول المستقبل السياسي للملف الليبي، تتطابق مع وجهة النظر التي يعبر عنها المبعوث الأممي الى البلاد غسان سلامة، وتتلخص في مسار سياسي يبدأ بعقد مؤتمر وطني جامع لكل المكونات السياسية أواخر هذا الشهر أو في النصف الأول من الشهر القادم، إستفتاء على مشروع الدستور المقترح، قد يجري خلال الشهر القادم، ثم إنتخابات برلمانية ورئاسية خلال النصف الأول من هذا العام، او النصف الثاني في حالة عدم سماح الظروف بذلك. وعلى الرغم من إنهاء مفوضية الإنتخابات لحوالي 90 بالمائة من استعداداتها لإجراء الإستفتاء على الدستور، إلا أنه توجد شكوك كبيرة حول إمكانية إجراؤه قريباً، نظراً لعدة طعون على بعض مواده، كما أن هناك خلافات بين الأطراف الأربعة الرئيسية حول السيناريوهات المحتملة التي ستتبع إقرار أو عدم إقرار مشروع الدستور خلال الإستفتاء، فهناك رأي يتقدمه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، يرى أنه يجب إجراء الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية حتى ولو لم يتم إقرار الدستور عبر الإنتخابات، حيث يعتقد صالح أنه من الممكن تشكيل لجنة لإعادة صياغة مشروع الدستور بالتوازي مع إجراء الإنتخابات. أيضاً تبرز مشكلة تحديد ماهية الإنتخابات التي يجب البدء بها، هل هي الرئاسية أم البرلمانية.

رئيس الوزراء الإيطالي، وبعد اتضاح الصورة له حول هذه التباينات اثناء زيارته الى ليبيا، قام بزيارة الجزائر لطلب مساعدتها في محاولة التقريب بين هذه الأطراف، على الأقل لعقد المؤتمر الوطني الجامع والإستفتاء على الدستور، خاصة أنه من بين أبرز القضايا الخلافية في هذه الفترة هو الموقف من أنصار النظام الليبي السابق، وفي هذا الصدد تحتفظ الجزائر بعلاقات جيدة مع كافة الأطراف بما فيها القبائل والشخصيات الموالية للقذافي في المنطقة الغربية.

روسيا دخلت أيضاً على خط التواصل مع أنصار النظام السابق، فبعد إقرارها بحدوث أتصالات مع سيف الإسلام القذافي، الذي تعتبره موسكو يمثل طرفاً لا يمكن تجاهله في اية تسوية سياسية، تحدثت تقارير عن محاولات روسية للإفراج عن هانيبال القذافي، المحتجز في لبنان منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، على خلفية موضوع إختفاء الإمام موسى الصدر في ثمانينيات القرن الماضي. كما صدرت تصريحات لافتة على لسان نائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف، حيث أكد على دعم روسيا لكافة الأطراف في ليبيا، وعلى عدم أحقية منع أي طرف أو شخصية من الترشح لمنصب الرئاسة. ووجه السفير الروسي في طرابلس دعوة الى رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فايز السراج، لزيارة موسكو لبحث عدة موضوعات لعل من أهمها الدور المحتمل لسيف الإسلام القذافي.

فرنسا من جهتها، وبعد التغيرات التي طرأت على مواقفها السياسية في الملف الليبي قبيل مؤتمر باليرمو، باتت تتعامل مع الملف الليبي بإستراتيجية أقل صخباً، فهي تحافظ على علاقاتها مع قائد الجيش الليبي خليفة حفتر، وفي نفس الوقت تحاول المراهنة على شخصية عسكرية أخرى في الجانب الأخر، كي يكون خيارها الثاني في حالة تطور الأمور الى منحى مختلف عن ما تريده، وهذه الشخصية هي اللواء أسامة الجويلي، قائد المنطقة العسكرية الغربية في حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، الذي تحدثت الصحافة الفرنسية مؤخراً عن تلقيه دعم فرنسي على مستوى التدريب والتسليح، ودعمه لتجهيز قوة من مدينة الزنتان لتتدرب في معسكرات قرب منطقة العزيزية، وذلك كي تستخدمها بشكل أولي في التدخل في طرابلس، ولدعم أي تحرك من جانب الجيش الوطني بإتجاه طرابلس، وهو تحرك تحاول فرنسا منذ أسابيع دفع حفتر الى تنفيذه.

الملف الأمني .. الى الواجهة

مثلت العملية العسكرية التي أعلنت عنها قيادة الجيش الوطني، لتطهير المنطقة الجنوبية الغربية من المجموعات الإرهابية وعناصر المعارضة التشادية، التطور الأهم على المستوى الميداني، وقد كانت شرارة هذه العملية، الهجوم الذي شنه عناصر تابعين لإحدى جماعات المعارض التشادية، على مقر اللواء العاشر التابع للجيش الوطني، في منطقة تراغن الواقعة جنوبي غرب البلاد، وجنوب مدينة سبها، حيث هاجمت ما يقرب من أحدى عشر سيارة مقر اللواء، وسيطرت عليه لبضعة ساعات، ومن ثم تم إطلاق النفير العام لتطهير محيط مدينة سبها، وثم أعلان القيادة العامة للجيش الوطني عن إطلاق هذه العملية، وقد سبق الإعلان عن إطلاقها قيام وحدات تابعة للجيش الليبي بشن هجوم خاطف، على منطقة الغدوة التي تقع على بعد 70 كم جنوبي مدينة سبها،وتمكنت فيها من تحرير كافة المختطفين من قبل العناصر المنفذة لهجوم بوابة الفقهاء في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وهجوم مركز شرطة تازربو في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

عقب إعلان بدء العملية، تدفقت التعزيزات الى عدة قواعد في المنطقة الجنوبية الغربية، من بينها قاعدة السارة الواقعة على بعد 350 كم جنوبي الكفرة، وذلك من أجل تجهيز قوتين عسكريتين تستهدفا تأمين محيط واحة الكفرة ومدينة سبها. كذلك انتشرت القوات في المعسكرات والمناطق التي كانت تتواجد فيها عناصر قبلية أو تابعة لحكومة الوفاق في طرابلس، مثل معسكري المهدية والحراري الواقعين قرب طريق سبها - طرابلس، وذلك بدعم من سلاح الجو الذي نفذ غارات على تخوم منطقة الناصرية قرب سبها. نتائج هذه العملية كانت سريعة بالمقارنة بعمليات سابقة، فقد تمكنت وحدات من الجيش الوطني على رأسها كتيبتي طارق بن زياد وشهداء الزاوية، من تصفية ثلاثة عناصر تابعين لتنظيم القاعدة، على رأسهم أبو طلحة الحسناوي، الذي يعد من أخطر عناصر القاعدة في هذه المنطقة، وتمت العملية في منطقة القرضة الشاطئ، الواقعة على بعد 60 كم شمال غرب مدينة سبها.

طرابلس لم تغب عن المشهد الأمني، فقد تعرضت لصدمات امنية عنيفة خلال الأسابيع الأخيرة، على رأسها الهجوم الغير مسبوق من جانب تنظيم داعش على مبنى وزارة خارجية حكومة الوفاق الوطني، والذي نفذه ثلاثة انتحاريين، وتبناه التنظيم لاحقاً. هذا الهجوم تبعه صدمة أخرى تمثلت في تجدد الإشتباكات في التخوم الجنوبية للعاصمة، وتحديداً في منطقة قصر بن غشير، بين الكتائب المكونة لما يسمى قوة حماية طرابلس، وبين اللواء السابع مدعوماً بعناصر من لواء الصمود. وعلى الرغم من توقف الإشتباكات بعد مفاوضات بين قبائل ورفلة وأعيان مدينة ترهونة التي ينحدر منها اللواء السابع، الا ان تجدد الإشتباكات كشف بجلاء عن هشاشة وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أواخر أيلول/سبتمبر الماضي، وجعل الثقة تهتز في الإجراءات الأمنية الجديدة التي بشر بها مؤخراً رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، وتحدث عنها المبعوث الدولي الى ليبيا خلال زيارته منذ أيام الى الجنوب الليبي.

هذا التوتر في طرابلس ربما يخدم بصورة غير مباشرة قائد الجيش الوطني خليفة حفتر، لأنه يعطل بشكل كبير المحاولات المتكررة من جانب كل من رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني ووزير الداخلية في حكومته، لإعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية في المنطقة الغربية، بهدف التغلب على المشكلة الأساسية التي تواجه حكومة الوفاق في تعاملاتها الداخلية والخارجية، وهو التوغل الكبير للميليشيات في كافة نواحي الحياة، وبالتالي يظل المشير حفتر يمثل الوجه العسكري المنضبط الوحيد على الساحة الليبية، وهذا المنظور تؤيده التحركات العسكرية التي قام بها الجيش الليبي في إتجاه الغرب خلال الشهرين الماضيين، حيث هاجمت منطقة قلعة السداداة شرقي بني وليد، انطلاقاً من الجفرة وهون وودان وسوكنة وسيطرت بشكل كامل على القلعة، وضربت عناصر ما يعرف بسرايا الدفاع عن بنغازي وحرس المنشآت النفطية فرع المنطقة الوسطى، ثم امتدت الاشتباكات إلى عدة مناطق جنوبي بني وليد لمواجهة محاولات سرايا الدفاع عن بنغازي لتجميع عناصرها في منطقة وادي دينار. كذلك التحركات الإستطلاعية المستمرة لوحدات الجيش من ودان وهون باتجاه مناطق وادي بي وبونجيم شرقي سرت.

كان لافتاً اللقاء الأمني المشترك الذي عقده مدير أمن مدينة بنغازي مع وفد أمني من المنطقة الغربية والجنوبية زار المدينة، برئاسة مدير أمن مدينة طرابلس، وهو لقاء يحدث للمرة الأولى في إطار محاولة توحيد المؤسسات الأمنية بحد أدنى يسمح بتنفيذ الإستحقاقات الإنتخابية المقبلة، خاصة وان بنغازي أيضاً تعاني من صعوبات أمنية، دفعتها أواخر كانون الأول/ديسمبر الماضي الى إعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

بعد ماتقدم رئيس مفوضية الإتحاد الأفريقي بدعوة إلى تنظيم مؤتمر دولي حول ليبيا برأيك ماهو الملف الأبرز الذي سيتم تداوله؟