أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 14 فبراير 2019.

هل العالم مستعد للأزمة المالية القادمة؟

أعوام مرّت على الأزمة المالية العالمية التي تسببت في تدهور اقتصادي في عدد من البلدان من بينها دول عربية، فيما يتخوّف البعض من تكرار هذه الأزمة العام الحالي، فهل سيتكرر سيناريو العقد الماضي، وماذا لو حدث هل يستطيع العالم تحمّلها؟

ولازال العالم يسدد فاتورة إرث الأزمة المالية العالمية، وهو أمرٌ لا يثير الدهشة بالنظر إلى حجم هذه الأزمة وتأثيرها الدائم. فبعد 10 سنواتٍ من انهيار شركة ليمان براذرز، ثمة سؤال واحد حول النظام المالي لا يزال مطروحاً: هل نحن أكثر أماناً مما كنا عليه عام 2008؟ والجواب المختصر: نعم، لكنَّنا لسنا آمنين بما يكفي. فبينما هناك تقدم ملحوظ، لا يزال هناك الكثير مما ينبغي عمله، بما في ذلك مواكبة المخاطر الجديدة المحتملة للمشهد المالي سريع التطور، بحسب تقرير لمجلة Foreign Policy الأمريكية.

لماذا هذه المرة الأمر مختلف؟

أولاً، وبحسب المجلة الأمريكية، لدى البنوك الآن مخزونٌ أكبر من رأس المال وسيولةٌ أكبر. واتخذت الدول خطواتٍ لمعالجة المخاطر النظامية التي تشكلها المؤسسات التي ينظر إليها على أنَّها أكبر من أن تفشل. وعُزِّزَت التشريعات والرقابة، وكثفت الكثير من البلدان تركيزها على رصد الاستقرار المالي، وتُجري العديد من الدول الآن اختبارات ضغط منتظمة للتحقق من صحة البنوك. وتحولت نسبة كبيرة من التجارة في المشتقات خارج سوق التبادل إلى أنظمة مقاصة مركزية أكثر أماناً.

وقد حسَّن صندوق النقد الدولي من جانبه قدرته على تحليل ورصد مصادر المخاطر النظامية. فدخل في شراكةٍ مع السلطات الوطنية لمساعدتها على تحديد نقاط الاضطراب المحتملة، مثل ديون الاستهلاك أو ديون الشركات المفرطة، وتطوير أدواتٍ لكبح المخاطر، وتعزيز تحليل نظمها المالية.

وبحسب المجلة الأمريكية، فلنبدأ بالدين. عالمياً، تضخمت الديون غير المالية إلى رقمٍ قياسي بلغ 182 تريليون دولار عام 2017، وهو ما يشكل 224٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي بزيادة حوالي 60٪ عما كانت عليه عام 2007. وفي الولايات المتحدة، أدى طلب المستثمرين للدين الذي تصدره شركاتٌ عالية الاستدانة إلى معايير فضفاضة ومثيرة للقلق لتمويل الاكتتابات، ما يزيد من خطر التخلف عن السداد لدى المقترضين الأضعف. أما في الأسواق الناشئة، فقد وصل الدين العام لمستوياتٍ غير مشهودة منذ أزمة الديون في ثمانينات القرن الماضي. ولو استمرت الاتجاهات الأخيرة، فإنَّ الكثير من الدول ذات الدخل المنخفض سوف تواجه أعباء ديون لا يمكن تحملها.

رغم ذلك هناك ما هو مخيف؟

أما التمويل غير المصرفي، والمعروف أيضاً باسم الظل المصرفي لحدوثه خارج حدود التنظيم المصرفي التقليدي، فهو مصدر آخر من مصادر الخطر. إذ يتعين على المشرعين تطوير وتنفيذ أدوات جديدة للتعامل معه، لا سيما في هذه الأسواق الناشئة حيث توسع فيها هذا التمويل بسرعة.

وفي الوقت ذاته، برزت تحديات جديدة، بما في ذلك خطر الهجمات السيبرانية على البنوك وبورصات الأسواق المالية. ويحمل الابتكار والتكنولوجيا الماليين الوعد بتقديم خدماتٍ أفضل وأرخص وأسهل منالاً، لكنَّهما أيضاً يشكلان مخاطرَ على المستهلكين والمستثمرين والاستقرار المالي العام للاقتصاد، وهي مخاطر ليست دائماً سهلة الفهم أو التوقع، بحسب المجلة الأمريكية.

وعلى الرغم من كل التقدم المحرز لتعزيز القطاع المالي، فإنَّ بنيته الجديدة المحسنة لا تزال قيد التجريب. ولو ضُيِّقَت الشروط المالية بحدة مثلاً من خلال معدلات فائدة أعلى بشكل غير متوقع أو انخفاضٍ حاد في أسعار الأصول، فمن شأن ذلك أن يكشف مناطق الضعف التي تراكمت خلال عقدٍ من معدلات الفائدة المنخفضة التي بلغت مستوياتٍ قياسية.

 وبحسب المجلة الأمريكية، فقد شهدنا بالفعل خلال العام الماضي بعض المستثمرين وهم يسحبون المال من الأسواق الناشئة استجابةً لارتفاع الدولار، وارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية، والتوترات التجارية. وتُظهر حسابات صندوق النقد الدولي أنَّ ثمة فرصة -وإن كانت ضئيلة- لوصول التدفقات النقدية الخارجة من هذه الاقتصادات (باستثناء الصين) إلى 100 مليار دولار، في حالة التشديد المفاجئ. ومن شأن هذه التدفقات أن تتطابق مع التدفقات التي وقعت أثناء الأزمة المالية.

مصادر الخطر

وبالنظر إلى السياق الاقتصادي، فثمة الكثير من مصادر الخطر التي من الممكن لها أن تؤثر على قرارات المستثمرين. ومع أنَّ النمو العالمي ما يزال قوياً، فإنه في طور الانخفاض. ويتضاءل الدعم للنظام العالمي المفتوح المعتمد على القواعد الذي غذى الرخاء العالمي، ومن الممكن أن تتصاعد التوترات التجارية.

ويُحيي عدم اليقين بشأن السياسة المالية في أوروبا المخاوف من الرابطة ذاتية التعزيز بين الحكومة والدين المصرفي، التي هزت منطقة اليورو في السنوات الأولى من العقد الحالي. وأخيراً، فإنَّ البنوك المركزية ينبغي لها أن تعمل على الوصول إلى نهاية هذه التجربة المالية غير المسبوقة. وفي الولايات المتحدة، ربما يحتاج الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة عن الأسعار المتوقعة حالياً إذا غذت التخفيضات الضريبية والحوافز المالية معدلات التضخم، وجعلتها تتزايد بشكلٍ أسرع من المتوقع.

ما المطلوب من صانعي السياسات؟

كيف إذاً ينبغي لصانعي السياسات أن يستجيبوا لذلك؟ أولاً، ينبغي لهم إتمام الإصلاحات التشريعية المالية، وعلى نفس القدر من الأهمية يجب عليهم مقاومة الضغوط لإلغاء هذه الإصلاحات. وينبغي زيادة رأس المال المصرفي إلى أكثر من ذلك في الأماكن التي ما يزال المخزون فيها منخفضاً. وما تزال المؤسسات «الأكبر من أن تفشل» مشكلةً مع زيادة نمو حجم البنوك وزيادة تعقيدها. وثمة حاجة إلى المزيد من التقدم بشأن إجراءات حل أو تصفية البنوك الفاشلة، لا سيما تلك النشطة عبر الحدود. وينبغي للمنظمين تشجيع البنوك ذات النماذج التجارية الضعيفة والمستويات العالية من القروض المتعثرة على ترتيب قوائم ميزانيتها.

ثانياً، ينبغي لصانعي السياسات إعادة بناء ترساناتهم المالية والنقدية، التي ضعفت بسبب مواجهتهم لأزمة 2008 وتبعاتها. وسوف يتطلب فعل ذلك تخفيض عجز الميزانية، وإعادة أسعار الفائدة بالتدريج إلى المعدلات الطبيعية حسبما تسمح بذلك الظروف الاقتصادية. وينبغي أيضاً أن تعمل الحكومات معاً لتقليل اختلالات التوازن العالمية المفرطة بطريقة تدعم النمو المُستدام. ويمكن لأسعار الفائدة المرنة أن تساعد على امتصاص الصدمات. ومن شأن الخطوات الرامية إلى تعزيز الإنتاجية المتأخرة أن تواجه رياحاً ديموغرافية عكسية وزيادةً في النمو، وهو ما سيدعم بدوره الجهود الرامية إلى دعم مجال المناورة المالي والنقدي.

وأخيراً، وبينما نفكر في دروس الأزمة والطريق الذي يجب أن نسلكه، ينبغي لنا أيضاً أن نعترف ونواجه مخاطر أكثر عمقاً وأطول مدًى على الاستقرار المالي والاجتماعي. إذ يعد التغير المناخي تهديداً يواجهنا جميعاً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض. وينبغي للاقتصادات المتقدمة أن تضمن مشاركة الرخاء على نطاقٍ أوسع، من خلال التعامل مع عدم المساواة المتزايدة وركود النمو في الأجور. وتحتاج جميع الدول إلى تعليم العمال وتدريبهم على الأتمتة (التشغيل الآلي) وبيئة العمل المستقبلية سريعة التغيُّر، بحسب المجلة الأمريكية.

وتعتمد الكثير من الإجراءات التي من شأنها أن تجعل العالم أكثر أمناً عما كان عليه قبل الأزمة الأخيرة على التعاون الدولي في مسائل التجارة والتمويل، وأيضاً في عدد من المشكلات العالمية العامة، بما في ذلك البيئة واللاجئون. فالمخاطر الحالية كبيرة بنفس القدر الذي كانت عليه عام 2008.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

بعد ماتقدم رئيس مفوضية الإتحاد الأفريقي بدعوة إلى تنظيم مؤتمر دولي حول ليبيا برأيك ماهو الملف الأبرز الذي سيتم تداوله؟