أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الثلاثاء 12 ديسمبر 2017.

بين «منديل التقسيم» ولقاء حفتر والسراج.. ليبيا إلى أين؟

"خطوة من الألف ميل لكنَّها بدأت".. مثَّل لقاء الجنرال العسكري خليفة حفتر مع رئيس حكومة الوفاق "المدعومة من الأمم المتحدة" فائز السراج في أبو ظبي، ضوءًا أخضر نحو أمل تائه في ظلام دامس، كادت تغرق فيه ليبيا، يتعلق بـ"خطة تقسيم المنديل".

ست سنوات وعدة أسابيع هي عمر الثورة الليبية، ومنذ اندلاعها والليبيون يعايشون الرصاص مثل الخبز، وباتت الدولة مسرحًا لتنظيمات متطرفة، وغابت عن الأفق أي بوادر لحلٍ يحافظ على وحدة الدولة ويحفظ تطلعات شعبها، إلا أنَّ اجتماعًا أو توافقًا يلوح، كانت الإمارات شاهدة عليه.

هذا الضوء كان مصدره ذاك الاجتماع، ففي أبو ظبي اجتمع حفتر مع السراج، قبل أيام، في مسعى لإنهاء الأزمة القائمة منذ 16 شهرًا، والتي قوَّضت الجهود الدبلوماسية لتوحيد البلاد منذ عام 2011.

سنوات ليبيا المتعاقبة منذ الإطاحة بالقذافي تشهد حالة انقسام سياسي وفوضى أمنية، ما يجعل العديد من مناطق البلاد تشهد بين الحين والآخر أعمال قتالية بين القوى المتصارعة على السلطة، لا سيما في طرابلس ومحيطها غربًا، وبنغازي وجوارها شرقًا.

الأزمة السياسية تتجسد في وجود ثلاث حكومات متصارعة، اثنتان منها في العاصمة طرابلس، وهما "الوفاق الوطني"، و"الإنقاذ"، إضافةً إلى المؤقتة بمدينة البيضاء "شرق"، والتي انبثقت عن مجلس نواب طبرق، والتي يقود قواتها خليفة حفتر.

ويسيطر حفتر على فصائل في شرق ليبيا ترفض حكومة الوفاق الوطني، ما أسهم في عدم قدرتها على توسيع سلطتها في طرابلس وخارجها، وتدعم فصائل أخرى مسلحة في الغرب حكومة الوفاق الوطني.

وبعد ظلمة كبيرة هلَّ نورٌ كبير، فما كُشف عن الاجتماع كان خير بُشرى، فاتفق حفتر والسراج على تشكيل مجلس رئاسة الدولة، يضم رئيسي البرلمان وحكومة الوفاق وقائد الجيش، ويكون المجلس بمثابة القائد الأعلى للجيش، والمناط بمهمة حل التشكيلات المسلحة غير النظامية ومحاربة الإرهاب، كما اتفقا أيضًا على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بعد ستة أشهر من سريان الاتفاق.

في اليوم التالي للاجتماع، قال السراج  إنَّه تمَّ الاتفاق مع حفتر، على الدعوة إلى الحوار الشامل وتوحيد مؤسسات الدولة، وإنهاء القتال في البلاد، وأعلن التوصُّل إلى اتفاق مع حفتر حول عدة نقاط، بينها إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية وخضوعها للسلطة المدنية، والسعي وراء تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، وتوحيد الجهود والإمكانيات لتجاوز المعوقات التي حالت دون تنفيذ الاتفاق السياسي وإجراء التعديلات عليه.

العديد من الدلالات يحملها هذا التوافق حول أسبابه ومخزاه وما قد يؤول إليه، لا سيَّما أنَّه فشلت عدة وساطات عربية وأجنبية في جمع "الرجلين"، كان آخرها قبل شهرين عندما رفض حفتر الاستجابة لمبادرة مصرية لجمعه مع السراج أثناء تواجدهما في القاهرة.

 
اللقاء والمنديل.. توافق أم تقسيم؟

التوافق بين حفتر والسراج ربطه محلِّلون بما كشفته صحيفة "جارديان" البريطانية قبل أيام، إذ قالت - ما هو نصه - إنَّ مسؤولًا أمريكيًّا عرض خريطة لتقسيم ليبيا إلى ثلاث دول على أساس أقاليمها الثلاثة القديمة،  مرسومة على "منديل"، طرابلس في الغرب، وبرقة في الشرق، وفزان في الجنوب.

التقرير الذي اشترك فيه جوليان برجر من الولايات المتحدة وستيفاني كيرشغاسنر من إيطاليا كشف أنَّ مسؤولًا كبيرًا في البيت الأبيض "مكلف بالسياسة الخارجية" رسم أمام دبلوماسي أوروبي خريطةً لتقسيم ليبيا إلى ثلاث دول.

لم تكشف الصحيفة عن هوية المسؤول الأوروبي، ولكنها بينت أنَّ سباستيان جوركا مساعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو المسؤول الأمريكي الذي اقترح تقسيم ليبيا، قبل أسابيع من تنصيب ترامب رئيسًا في 20 يناير الماضي.

"جارديان" نقلت عن مصدر - لم تسمه، لكنَّها قالت إنَّه على علم بالموضوع - أنَّ الدبلوماسي الأوروبي الذي بيَّنت تقارير إعلامية - فيما بعد - أنَّه ماتيا توالدو كبير الدبلوماسيين في المجلس الأوربي للعلاقات الخارجية، ردَّ على جوركا بأنَّ التقسيم هو أسوأ حل يمكن تصوره في ليبيا.

مدى الخلافات التي سادت في السنوات الماضية ربطها محللون بجهات نافذة تسعى بكل ما ملكت يمينها أن تغيِّب الحل السياسي وتصل بالأزمة إلى حد التعقيد، ما يسير في خط متناسق مع مخطط التقسيم، غير أنَّ التوافق الوليد بين حفتر والسراج جاء كالقشة التي قد تنقذ ليبيا من غرق التقسيم.

 
بعد اللقاء.. كيف ليبيا؟

المتخصص في الشأن الليبي زياد عقل قال إنَّ اجتماع أبو ظبي بين حفتر والسراج لم يأتِ بجديد، لافتًا إلى أنَّ ما صدر عن المجلس الرئاسي عقب اللقاء يشابه إلى حد بعيد ما هو منصوص عليه في بيان القاهرة، غير أنَّ الجديد هو القدرة على جمع الرجلين على طاولة واحدة.

وقال – لـ"مصر العربية" – إنَّ هذا الاجتماع جرى بترتيب مصري من الألف إلى الياء، لكنَّه أوضَّح أن تخوفًا مصريًّا من رفض حفتر الاجتماع مع السراج كان كفيلًا بأن يجعل الموقف المصري في حرج شديد، لا سيَّما أنَّ القاهرة حاولت ترتيب لقاء بين الجانبين بينما كانا في مصر قبل شهرين إلا أنَّ اللقاء لم ينعقد.

عقل اعتبر أنَّه لا أدلة موضوعية على عرض فكرة مشروع لتقسيم ليبيا على أي طرف، مشدِّدًا على أنَّ أغلب الأطراف الفاعلة سواء إقليميًّا "مصر والجزائر وتونس" أو دوليًّا "الاتحاد الأوروبي" ترفض فكرة التقسيم.

وأشار إلى أنَّ الاتحاد الأوروبي يعتبر التقسيم خطرًا عليها بالنسبة لأزمة الهجرة غير الشرعية، واستثماراتها البترولية في ليبيا، موضِّحًا أنَّ روسيا تسعى كذلك إلى استمرار ليبيا موحدة لتتمكن من بيع السلاح للجيش هناك.

ورأى أنَّ ليبيا بعد هذا الاجتماع على طريق صحيح لتسوية سياسية، حيث تمَّ وضع إطار تعقبه عدة خطوات موضوعية بناء عليه، متوقعًا أنَّه خلال فترة قصيرة من الآن سيتم تشكيل لجنة من مجلسي الدولة والنواب لتعديل بعض بنود الاتفاقية، حيث سيظل المجلس الرئاسي مسؤولًا عن كل ما هو سياسي، فيما سيتم تشكيل مجلس عسكري، يضم في عضويته خليفة حفتر لتولي أمور القوات المسلحة، وهو ما لمَّح إليه بيان المجلس الرئاسي حين تحدَّث عن التزام القوات المسلحة بحكم السلطة المدنية، بحيث يكون المجلس العسكري تابعًا لمجلس النواب.

وأشار إلى أنَّه بمجرد تعديل الاتفاق سيتم الانتهاء سريعًا من كتابة الدستور والاستفتاء عليه، متوقعًا انعقاد اجتماع رئاسي بالجزائر بحلول يوليو المقبل على أقصى تقدير، ويحضره رؤساء مصر وتونس والجزائر وممثلون عن ليبيا سواء حفتر أو السراج أو رئيس مجلس النواب عقيلة صالح.

عقل أشار إلى أنَّ المخطط يتضمَّن كذلك إجراء انتخابات رئاسية قبل 2018، مشيدًا بجهود مصر في عملها على خلق تسوية سياسية من الداخل الليبي بدون أطراف خارجية.

 
خطوة للأمام

المحلل الليبي عبد الباسط بن هامل وصف لقاء حفتر والسراج بـ"الإيجابي"، لافتًا إلى أنَّ "الرجلين" يمثلان ثقلًا كبيرًا في البلاد، باعتبار أنَّ السراج يمتلك شرعية دولية وغطاء سياسي، بينما حفتر يمتلك القوة العسكرية على الأرض.

وأضاف – لـ"مصر العربية": "حفتر والسراج بإمكانهما قيادة ليبيا خطوةً صحيحةً إلى الأمام رغم أنَّهما ليسا كل الأطراف بالمشهد السياسي المتأزم، لكنَّنا نبحث عن حلول، وهذه خطوة جيدة للانطلاقة إلى الأمام".

لقاء حفتر والسراج اعتبره المحلل الليبي يقطع الطريق أمام من يحاولون زرع الفتنة في ليبيا، فضلًا عن مشروع تقسيم البلاد والذي قال إنَّه يعمل عليه كثيرون ويخدم أجندة خارجية.

وشدَّد على أنَّ اللقاء ليس انتصار طرف على طرف، بل هو تغليب لمصلحة الشعب الليبي في ظل الظروف الاقتصادية السيئة والمعاناة اليومية التي يمر بها.

 
خطوة من ألف ميل.. لكنَّها بدأت

نظريًّا، أزاح اللقاء قدرًا من الشد والجذب في صعوبة جمع الرجلين على طاولة واحدة، فيحمل الاجتماع نفسه قد يكون مؤشرًا إلى مرحلة جديدة في الأزمة الليبية، وهو ما اتفق معه جاب الله التاورغي عضو مجلس النواب "طبرق"، الذي اعتبر اللقاء "خطوةً من ألف ميل".

التاورغي رأى أنَّ اللقاء جمع بين المشروع الوطني والمشروع الدولي، قائلًا: "حفتر يمثل المشروع الوطني وبناء واسترداد الدولة والسراج يمثل المجتمع الدولي"، معتبرًا أنَّ اللقاء لا يرتقي إلى مستوى اتفاقية.

وفسَّر ذلك بالقول، لـ"التلفزيون الليبي": "السراج لم يتم الاعتراف به من مجلس النواب، وحفتر غير معني بالسياسة، ولا ندري من ورَّط حفتر في السياسة ونتساءل عن دور البرلمان في ذلك، فحفتر عليه العمل بما هو مناط بالمؤسسة العسكرية ".

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟

نعم - 25.6%
إلى حد ما - 30.2%
لا - 37.2%

مجموع الأصوات: 43
انتهت عملية التصويت في هذا الاستطلاع