أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأربعاء 28 يونيو 2017.

المؤسسات أولا

 

لا شك في أن بدء الإصلاح السياسي عملية صعبة، غير أن استمراره واستدامته أكثر صعوبة، ولا تقتصر هذه الصعوبة على المجتمعات العربية وحدها، وتشهد على ذلك التحديات والاضطرابات التي غالباً ما كان على الديمقراطيات الفعالة أن تواجهها في مراحل تكوينها الأولى. ويتطلّب التعامل مع التحدي المتصل بصعوبة تحقيق الاستدامة المنشودة، الانخراط في عملية تدريجية ذكية، تسهم في إقامة مؤسسات الدولة وتوفّر لها الحماية، فيما تمهّد السبيل للمزيد من الإصلاحات في المستقبل.

إن محاولة الانتقال من نظام تسلطي إلى نظام ديمقراطي متقدّم عن طريق الانتخابات وحدها، محكومة بالفشل. وعليه، لا بدّ في مرحلة ما من التمعّن وإدراك أن الانتخابات ليست أساس الديمقراطية، بل أحد مظاهرها، وأن استدامة الاصلاح السياسي بعد الشروع فيه، تتطلّب الاسترشاد بمبدأ أساسي موجِّه، يقوم على اتّباع مقاربة التدرّج الذكي المُشار إليها.

لطالما تبنّت قوى دولية مؤثّرة فكرة مؤداها أن المبادئ الديمقراطية لا بدّ أن تتكرّس في حال إجراء انتخابات حرّة وعادلة، أو بعبارة أبسط، الفكرة القائلة إن الانتخابات تأتي أولاً لتليها الحرية الفردية في وقت لاحق. غير أننا شهدنا، مراراً وتكراراً، سرعة وقوع ديمقراطيات حديثة العهد في الشرك نفسه الذي وقعت فيه سابقاتها: إذ يتم قمع حركات الاحتجاج، وتُشدَّد الرقابة على الصحافة، بل حتى يُفرَض الحظر على النقد الساخر.

في الكثير من الأحيان، يشعر الزعماء المنتخَبون ممن يفتقرون إلى الخبرة بالضعف، عندما يتولون الحكم في بلدان يسودها الاضطراب، الأمر الذي غالباً ما يدفعهم إلى اللجوء إلى الأساليب التي يمارسها القادة السلطويون، بدلاً من العمل على إرساء تقاليد القيادة الرشيدة. ونتيجةً لذلك، تسقط المُثُل الديمقراطية والحقوق المدنية ويضرب بها عرض الحائط، بحجة الحرص على تحقيق الاستقرار.

إذا كانت استدامة الإصلاح السياسي هي الهدف الأساس، فلا بدّ من توفّر قاعدة من المؤسسات القوية، التي تصون المبادئ الديمقراطية الأساسية، حتى في غياب الانتخابات. كما أن حرية التعبير وشفافية الإدارة عنصران جوهريان لنظام أكثر ديمقراطية، لأنهما يُمثّلان مدخلاً لتحقيق إصلاحات إضافية. وإذا بدا نظام الحكم التسلطي وذلك المكرّس لخدمة الشعب مفهومين متناقضين، بيد أنهما ليسا كذلك تماماً. إذ قد يتعايشان سويّاً إلى أن يطغى أحدهما على الآخر. فعلى سبيل المثال، إذا تمكّن المواطنون من النقاش بصراحة بشأن نفقات حكومتهم، وحصلوا على قدر معيّن من التجاوب، فإنهم لن يشعروا بالتمكين فحسب، بل إنهم سيلاحظون الفرق إذا ما جُرِّدوا من هذه الحقوق. وهكذا، بشكل أو بآخر، يبدأ الشعب في فرض الضوابط والمساءلة على الحكومة. وشيئاً فشيئاً، وعلى نحو متدرج، يتطوّر واقع ممارسة الحكم الرشيد بما يؤسس للتحوّل من نظام حكم مكرّس لخدمة الشعب إلى نظام يقوم بذلك كونه مستمداً من الشعب، وصولاً في نهاية المطاف إلى نظام مختار من قِبله.

ولا يعني ما سبق أن على المرء أن يكتفي بالنتائج المتواضعة. إنه يعني أن الأهداف المتواضعة قد تكون في كثير من الحالات جزءاً مما سيتكشف بعد حين، بوصفه الطريق الطويل المؤدي إلى الديمقراطية. ولا بدّ للمساعي الرامية إلى تحقيق أفضل النتائج من أن تقيم، على نحو متدرج، مؤسسات ترسخ المبادئ والحقوق الديمقراطية الأساسية وتصونها– بدءاً من حق الوصول إلى المعلومات، وحرية الرأي والصحافة.

وإذا بدا أن هذا التوجه ينطوي على دعوة للقبول بما هو دون المستوى المطلوب، فسيكون ذلك، وعلى درب الطريق الطويل المؤدي إلى أنظمة ديمقراطية كفؤة، ذو كلفة زهيدة، بالمقارنة مع الكلفة الباهظة لإخفاق عملية الإصلاح السياسي، أو، ما هو أكثر كلفة، التخلّي عنها لصالح نقيضها.

مركز رفيق الحريري لدراسات الشرق الاوسط

هل توافق على اعتماد نظام التأمين الصحي عوضاً عن النظام الصحي المجاني مع تحسين مستوى الخدمات؟

أوافق - 72.4%
لا أوافق - 3.4%
أوافق بشروط - 17.2%

مجموع الأصوات: 29
انتهت عملية التصويت في هذا الاستطلاع