أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 23 نوفمبر 2017.

الفساد في الصميم-تونس

يُثير تقاطع سلسلة من الأحداث في تونس مخاوف من أن البلاد ربما تقف على شفير انتفاضة ثانية.

فحملة العصيان المدني تتواصل في محافظة تطاوين الجنوبية ضد الظلم الاقتصادي والاجتماعي الذي تُتَّهم الحكومة التونسية بإلحاقه بأبناء البلاد، ومعها شركات النفط والغاز المتمركزة هناك والمملوكة من جهات أجنبية. وقد أثار الخطاب العام الذي ألقاه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في العاشر من أيار/مايو الماضي، والذي استهدف تهدئة التشنّجات في الجنوب، موجة غضب لدى إعلانه بأنه سيتم نشر الجيش لحماية منشآت النفط والغاز من المحتجّين.

في التاسع من أيار/مايو، أصبح مصير الانتخابات البلدية المقبلة في مهب الريح، عندما قدّم شفيق صرصار، رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، استقالته من منصبه إلى جانب العديد من نوّابه. في غضون ذلك، تسبّبت إعادة العمل بقانون للمصالحة الاقتصادية يُثير جدلاً واسعاً في البلاد، بنزول مئات، لابل آلاف التونسيين إلى الشارع في 13 أيار/مايو.

طغت هذه المواضيع على الزيارة التي قمت بها إلى تونس في منتصف أيار/مايو، حيث اتّضح لي، خلال العديد من الاجتماعات مع نشطاء ومحللين وكذلك مع مانحين دوليين، أن هذه التحديات المختلفة يجمع بينها خيطٌ واحد: الفساد. لقد كان الظلم الاقتصادي والزبائنية المستشرية من الأسباب التي أدّت إلى اندلاع الثورة التونسية في العام 2010. لكن على الرغم من انطلاق عملية جدّية ومحترَمة للعدالة الانتقالية، لايزال الفساد يؤثّر في الأداء الاقتصادي والعملية السياسية والوضع الأمني في البلاد. ويعزّز استفحال الفساد، في بعض الحالات خلال الأعوام القليلة الماضية، الاعتقاد العام بأن عملية الانتقال التونسية قد تكون مهدَّدة.

الاحتجاجات تجلب الأمل واليأس

وصلتُ إلى تونس على وقع الجولة الأخيرة من احتجاجات "مانيش مسامح" في وسط العاصمة. وكانت التحركات موجّهة ضد المسودة الأخيرة من مشروع قانون المصالحة الاقتصادية المطروح في مجلس النواب، والتي من شأنها أن تمنح الأشخاص المتّهمين بالفساد في ظل نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، شكلاً من أشكال العفو والتستّر على هويتهم. المهندس الأساسي للقانون هو السبسي الذي دفعت روابطه مع النظام السابق بعدد كبير من الأشخاص إلى طرح علامات استفهام حول دوافعه في هذا الصدد.

من خلال الأحاديث التي أجريتها مع نشطاء في اليوم التالي للاحتجاجات، استشعرت لديهم تفاؤلاً إنما أيضاً غضباً متنامياً. قال لي تونسيون شاركوا في التظاهرات إنهم يشعرون بـ"تجدّد الزخم" بشأن قدرة المجتمع المدني على منع إقرار القانون. لقد سبق أن نجحوا في منع إقراره في العامَين 2015 و2016 عبر الاحتجاج علناً ولفت الانتباه إلى مشروع القانون. قال لي أحد الأشخاص الذين تحدثت معهم إن الاحتجاجات هي من الإشارات الإيجابية القليلة المتبقّية للديمقراطية، وإنها تشكّل تحرّكاً صادقاً ذا هدف واضح ويحظى بدعم شعبي واسع في مختلف أنحاء البلاد.

في الوقت نفسه، أبدى المحتجّون وحلفاؤهم غضبهم من أن وسائل الإعلام القليلة التي غطّت الاحتجاجات، لم تُبرز الأعداد الحقيقية للمتظاهرين. فقد أشار المشاركون في التظاهرات إلى أن العدد تراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف شخص، في حين ذكرت التقارير الإعلامية أن الأعداد اقتصرت على المئات فقط. وترافق ذلك مع سأم عام من الاحتجاجات لمستُه في أوساط التونسيين. فبعض الأشخاص الذين تحدّثت معهم، وكانوا قد شاركوا في تظاهرات في السابق، قالوا إنهم يفضّلون تمضية يومهم على الشاطئ أو مع الأصدقاء بدلاً من المشاركة في الاحتجاجات.

ربما ساهمت المسافة الجغرافية بين تطاوين والعاصمة تونس في الاحتواء النسبي لحركة العصيان المدني في الجنوب، غير أن الخيط المشترك للظلم الاجتماعي يربط بين المدينتَين. ففيما كان المحتجّون في العاصمة ينادون بالشفافية في التعاطي مع الجرائم الاقتصادية لنظام بن علي وفساده، كان المحتجّون في تطاوين يطالبون بشفافية أكبر في عقود التنقيب عن النفط والغاز في محافظتهم. تشتمل مطالب المتظاهرين في الجنوب على مجموعة من الإجراءات التي تهدف إلى ضمان تحقيق محافظة تطاوين فوائد من إنتاج النفط والغاز في أراضيها.

على الرغم من الأصداء التي تثيرها مسائل الظلم الاجتماعي في مختلف أنحاء تونس، لاتزال هناك انقسامات كبرى، ولاسيما بين الشباب في الشمال والجنوب. قال تونسي يتردد باستمرار إلى الجنوب إن هناك شعوراً عاماً بـ"الحقرة" أي الازدراء في أوساط الشباب في جنوب البلاد، مشيراً إلى أن الشباب في المناطق الجنوبية لايعتبرون أنفسهم جزءاً من تونس، وينتابهم شعور مطّرد بالقطيعة مع الدولة، مايجعلهم أهدافاً سهلة للتجنيد في التنظيمات المتطرفة.

اللامركزية في خطر

تتمثّل الأداة الأساسية لمعالجة الشعور المتنامي بالاستياء في أوساط التونسيين خارج المدن الساحلية، في عملية إلغاء المركزية. الهدف من الانتخابات البلدية المزمع إجراؤها في 17 كانون الأول/ديسمبر 2017 هو تمكين الشعب التونسي في مختلف أنحاء البلاد. غير أن العملية الانتخابية كانت على موعد مع انطلاقة متعثّرة بسبب التأجيل المتكرر. قبل استقالة صرصار، أعرب التونسيون عموماً عن تفاؤلهم بأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وبأنه من شأن عملية إلغاء المركزية أن تساهم في التخفيف من حدة بعض الاختلالات البنيوية في التوازن بين الساحل والداخل.

لكن لدى وصولي إلى البلاد، كان التونسيون قد أصبحوا أكثر تشاؤماً بشأن قدرة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على إجراء الانتخابات. فكما شرح أحد المحللين، حتى لو التأمت الهيئة من جديد، سيكون من الصعوبة بمكان إجراء الانتخابات في الأشهر الستة المقبلة. إنها الانتخابات الأكبر التي تجريها الحكومة، وتتطلب عديداً بشرياً هائلاً لإنجازها.

أعرب آخرون عن خشيتهم من أن الانتخابات البلدية "تهيئ الساحة أمام الحكومة لتعزيز سلطتها أكثر" في ظل عدم المبادرة أولاً إلى إقرار قانون اللامركزية. وكما قال لي شاب تونسي، إذا لم تُجرَ الانتخابات البلدية في كانون الأول/ديسمبر المقبل، فسيعني ذلك "فشل العملية الانتقالية".

ترتدي استقالة صرصار أهمية خارج العملية الانتخابية. فعندما سألت بعض الأشخاص عن أسباب استقالته، أشار جميعهم تقريباً إلى قلقه إزاء الفساد الزاحف داخل الهيئة. وفقاً لبعض الأشخاص الذين تحدثت مهم، كان صرصار موظفاً ذائع الصيت في الخدمة المدنية لم يعد يستطيع تحمّل المحاولات التي تبذلها الحكومة المركزية لتقويض عمله. وصف محلل تونسي الهيئة بأنها "الجهاز الديمقراطي الوحيد الذي يعمل كما يجب"، معتبراً أن استقالة صرصار والأحداث التي قادت إليها هي "هزيمة للديمقراطية".

لاطريق إلى الأمام

الاستنتاج الأكثر إثارة للقلق الذي توصّلت إليه خلال زيارتي إلى تونس هو أنه ليس هناك سبيل واضح لمعالجة الفساد في البلاد. أحد العوائق الأساسية أمام إيجاد حلول لهذه المشكلة هو أن "الفساد" أصبح مصطلحاً جامعاً يُستخدَم للإشارة إلى مختلف المشاكل الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها البلاد. يرتدي الفساد معانٍ مختلفة جداً بالنسبة إلى المجموعات المختلفة من التونسيين. فهو يعني، في نظر البعض، مكافحة الجرائم الاقتصادية وشبكات الزبائنية التي كانت سائدة في عهد النظام السابق، فيما يعني، بالنسبة إلى البعض الآخر، التصدّي لثقافة الفساد التي نمت وتوسّعت منذ العام 2011 وتسيطر على تفاعلات كثيرة. في هذا الإطار، قال لي أحدهم إنه في ظل بن علي، كان هناك فساد مؤسّسي، أما الآن فهناك "فساد مستوطن واجتماعي" يتغلغل في الحياة اليومية.

كانت منظومة المحسوبيات التي أنشئت في عهد بن علي متجذّرة بعمق، إلى درجة أنه تعذّر اجتثاثها بسهولة إبان الثورة. وقد وصف صحافي تونسي الثورة بأنها أشبه بمبنى "نشيّد إضافات ونلحقها بواجهته المتداعية بدلاً من تدميره بكامله". وفي حين أن الشفافية خطوة إيجابية نحو مكافحة الفساد، واقع الحال هو أن اعتماد درجة أكبر من الشفافية جعل الحكومة تواجه، في بعض النواحي، صعوبة متزايدة في معالجة المشكلة. فقد شرح لي أحدهم أن مستوى الفساد ليس أعلى مما كان عليه في العام 2011، غير أن التونسيين أصبحوا الآن أكثر وعياً وتنبّهاً للفساد، ولذلك يطالبون بأن تتخذ الحكومة إجراءات سريعة وشاملة لتصحيح أوجه الإجحاف الاقتصادي التي خرجت إلى الضوء.

العائق الثاني هو المستويات المتنامية من الغضب الشعبي وغياب الثقة بالحكومة. ووفقاً لاستطلاع آراء أجراه مؤخراً المعهد الجمهوري الدولي، صنّف واحد في المئة فقط من التونسيين المستطلَعين أداء الحكومة بأنه "جيد جداً"، واعتبر 26 في المئة أنه "جيد". ويعتقد 66 في المئة من المستطلَعين أن البرلمان "لايفعل شيئاً" لتلبية احتياجاتهم، فيما يقول 64 في المئة الشيء نفسه عن الوزارات. 13 في المئة فقط من التونسيين الذين شملهم الاستطلاع أعطوا تصنيفاً "مؤاتياً" للسبسي، في حين أنه لدى عشرة في المئة فقط نظرة مؤاتية إلى رئيس الوزراء يوسف شاهد.

حكومة شاهد شنّت مؤخراً "حرب على الفساد"، وكانت باكورة معاركها سلسلة توقيفات طالت رجال أعمال مرموقين متّهمين بممارسة الفساد في ظل نظام بن علي، ومنهم شفيق الجراية. وخلال العديد من الاجتماعات التي أجريتها، ظهر اسم الجراية كواحد من أسوأ رموز الفساد في المنظومة السياسية التونسية. بيد أن اضمحلال عامل الثقة جعل عدداً كبيراً من التونسيين يستشف رياءً في ممارسات رئيس الوزراء. علاوةً على ذلك، وبما أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبلدان المانحة الغربية تدفع تونس باتجاه اعتماد موقف أكثر حزماً من قضية الفساد، يعتقد بعض التونسيين الذين تحدثت معهم أن القوى الدولية تتلاعب بشاهد. وقد أشار تقرير صدر مؤخراً عن مجموعة الأزمات الدولية إلى "التأثير الخفي" للنخبة الاقتصادية في تونس، والذي يعطّل قدرة شاهد على تطبيق الإصلاحات الضرورية.

عزّزت الممارسات الحكومية خلال الأعوام القليلة الماضية، الاعتقاد بأن الحكومة التونسية لاتأخذ الفساد على محمل الجد. على سبيل المثال، أصبح مشروع قانون المصالحة الاقتصادية رمزاً للنشطاء المناهضين للحكومة لأن من شأن القانون المقترح الالتفاف على عملية العدالة الانتقالية التي وُضِعت للبت في المزاعم عن ارتكاب جرائم اقتصادية وجسدية في عهد بن علي. أي إن الحكومة ستعمد، من أجل مكافحة الفساد، إلى إقرار قانون يعتبره كثرٌ فاسداً.

وفقاً لاستطلاع المعهد الجمهوري الدولي، اعتبر 85 في المئة من التونسيين المُستطلَعة آراؤهم أن "مكافحة الفساد والرشوة" هي وسيلة جيدة جداً لتحسين الاقتصاد التونسي – وهذه النسبة أعلى من النسب التي نالتها مختلف الخيارات الأخرى. بيد أن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، التي تعاني أصلاً من شح الموارد، تواجه على الأرجح مزيداً من الخفوضات في موازنتها، وفقاً لأحد الأشخاص الذين تحدّثت معهم.

جمود وليس اضطرابات

على الرغم من بعض المؤشرات القوية التي تدق ناقوس الخطر، ليست تونس على حافة اضطرابات كبرى. لكن عملية الانتقال التونسية في حالة جمود. لقد وجّه العديد من الأشخاص انتقادات إلى شاهد معتبرين أنه ضعيف، أو تنقصه الفعالية، أو أنه مُراءٍ، لكنهم لايريدون رحيله. ليس هناك من وجوه واضحة يمكن أن تحل مكانه. فالبلاد تفتقر إلى لاعبين سياسيين يمتلكون جاذبية قوية وقاعدة سياسية نافذة. والنتيجة المتأتية عن الشراكة بين الحزبَين الأكبر حجماًنداء تونس والنهضة – هي تمييع المنظومة السياسية.

فضلاً عن ذلك، ثمة إقرارٌ بأن عزل شاهد واستبدال الحكومة قد تترتب عنه تكلفة كبيرة على صعيد هدر فرصة واستبدالها بأخرى غير مضمونة، مايمكن أن يتسبّب بالأذى أكثر مما يعود بالنفع. فالحكومة السيئة الأداء والتي تفتقر إلى الفعالية قد تكون أفضل من تغيير حكومي جديد.

غير أن الجمود يمكن أن يكون خطراً بقدر غياب الاستقرار. وإذا لم تتوصل الحكومة والرأي العام إلى لغة مشتركة يناقشان بها الفساد وسلسلة من التدابير لمكافحته، قد يؤدّي الإخفاق في دفع العملية الانتقالية قدماً إلى الأمام إلى دورة كارثية من الإحباط والغضب والاستياء، مايتسبّب بمزيد من الانقسام في صفوف الشعب التونسي وقادته

مركز كارنيجي لدراسات الشرق الاوسط.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟