أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الثلاثاء 21 نوفمبر 2017.

قوننة العنصرية في ليبيا

عماد الدين المنتصر

عادة ما تكون الدعوة إلى الإنتخابات التنافسية في بلد ما، دليلاً على ديمقراطية نابضة بالحياة. أما في ليبيا، فالأمر يختلف تماماً. حيث أن اندفاع الجميع نحو الإنتخابات، بدءاً من أمراء الحرب و السياسيين المدعومين من الخارج، ووصولاً إلى الأمم المتحدة، سيحكم على الشعب الليبي بمستقبل مضطرب لا يتساوى فيه أبنائه أمام الدستور. ويكمن هذا الخطر في النظام الذي تتبعه ليبيا في الإنتخابات بموجب القانون رقم 10، وترسيم دوائر الإنتخابات الذي يمنح أقلية من الشعب الغَلَبة فوق غيرهم من أبناء وطنهم. و يفسح هذا القانون نفسه المجال للعناصر المتربصة كأنصار القذافي والمتطرفين، بالاستحواذ على نسبة عالية من مقاعد مجلس النواب، بالرغم من أنهم لا يحظون إلا بدعم قلة من الشعب. وعلى الرغم من هذه العيوب الخطرة، فقد دعت الجماعات الحزبية والقوى السياسية من داخل ليبيا وخارجها إلى إجراء الإنتخابات، كوسيلة للهروب من الفشل الذريع الذي أصاب الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة والذي كرس حالة الفوضى و لم يتمخض عن حكومة شرعية. فها هو فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني الهشة يدعو لإجراء انتخابات في آذار/مارس من العام المقبل، بينما دعا عارف النايض المدعوم من الإمارات العربية المتحدة وأحد الحالمين بالرئاسة إلى إجراء انتخابات في غضون بضعة أشهر. وحتى غير الليبيين هم كذلك يلهثون وراء هذا السراب. فبعثة الأمم المتحدة في ليبيا تجري محادثات سرية مع لاعبين رئيسيين لحثهم على الاستعداد لخوض الإنتخابات، في حين استضاف الرئيس الفرنسي المنتخب حديثا إيمانويل ماكرون كلا من أمير الحرب خليفة حفتر والسيد فايز السراج، في اجتماع في الشهر المنصرم أُصدر على إثره بياناً رسمياً يدعو إلى “انتخابات عاجلة”. ولعمري كيف لبلد لا تستطيع فيه الفرق المتناحرة على السلطة أن تتفق حتى على تأمين الكهرباء و الماء لمواطنيها، أن يحصل على السلم و الاستقرار بمجرد إجراء انتخابات على عجل. السبب في هذا الاندفاع بسيط جدا: النخبة المستحكمة تسعى للحفاظ على مكاسبها من خلال انتخابات تجري على عينها وبرعايتها. الآلة الانتخابية للحالمين بالرئاسة كمحمود جبريل وعارف النايض وعلي زيدان وللحالمين بالكراسي البرلمانية ظلت تعمل في الخفاء منذ سنين. وساعد كل أولئك قدرة بعضهم على تخزين المال اعتمادا على الفساد الهائل الذي يعصف بالبلاد. وهذه المعادلة المعتمدة على المال والسلطان تمدهم جميعا بقوة دفع ذاتية هائلة. ولعل أحد الاسباب الأخرى لهذا التسابق نحو الإنتخابات هو قلق بارونات السياسة الحاليين من تأثير حملة انتخابية محتملة لخليفة حفتر لا يحمد عقباها. فهم إذا يهمهم انطلاق السباق نحو الكراسي بينما حفتر لا يزال مكبلا بحرب لم يستطع حسمها في شرق البلاد. من المُحال أن تأتي انتخابات جديدة بالخير و السلام على ليبيا إن لم تكن هذه الإنتخابات نفسها مستندة على أسس شرعية صحيحة عادلة. أما النظام الإنتخابي الليبي، الذي أسسه نفس أولئك المتربصين للإستفادة من عيوبه، يفتقر إلى الحد الأدنى من الشرعية والإنصاف. فقد تم التصويت على القانون الإنتخابي الحالي في مارس 2014 تمهيدا لانتخاب مجلس النواب. واعتمد هذا القانون على نظيره رقم 4 لسنة 2012 وأبقى على بنوده التي تخدم مصالح الجماعات التي لا تتمتع بشعبية كبيرة كالإسلاميين و غيرهم من الذين منحهم القانون فرصة الفوز بالمقاعد البرلمانية على الرغم من ضئالة الأصوات التي يتحصلون عليها. أول هذه السوءات التي يعاني منها قانون الإنتخابات هي اختلاف الثقل الإنتخابي للأصوات من منطقة إلى أخرى. فحسب مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، العملية الديمقراطية تعتمد أساسا على أن يكون لصوت شخص ما نفس الثقل الإنتخابي لصوت أي فرد آخر. بالإضافة إلى ذلك، فإن طريقة حساب الأصوات والمقاعد “يجب أن تعكس توزّع الناخبين”. و تستمر دعوات الأمم المتحدة في الحث على المضي قدما في الإنتخابات الليبية على الرغم من إخلال النظام الإنتخابي الليبي الحالي بكلا الشرطين. فالدوائر الإنتخابية قد حددت بناء على حسابات قبلية و جهوية وليس حسب توزيع السكان. و نتج عن ذلك أن بعض المناطق قد استحوذت على نسبة غير متكافئة من المقاعد الإنتخابية. لقد كان النظام الإنتخابي الليبي ضحية للصراعات المناطقية. فليبيا تاريخياً مقسمة إلى ثلاث مناطق هي: طرابلس غرباً، وبرقة شرقاً، وفزان جنوباً. وفي الوقت الذي عانت فيه جميع المناطق الليبية من وطأة حكم القذافي، إلا أن قاطني منطقتي برقة وفزان يدّعون أن التهميش و الحرمان نالهم أكثر من غيرهم. ومع وجود القبلية المقيتة التي يشتد عودها في الجنوب والشرق وهذه المشاعر الملتهبة بالحرمان جاد قانون الإنتخابات الليبي على هذه المناطق بمزيد من التمثيل في مجلس النواب في عملية مفاضلة و محاباة فاقت كل التوقعات والحسابات. فعلى الرغم من كون طرابلس أكثر المناطق اكتظاظا بالسكان -حيث يقطنها ثلثا سكان ليبيا- فقد وافق ممثليها على تخصيص دوائر انتخابية، أدت بالنتيجة إلى حصول طرابلس على 52٪ فقط من إجمالي المقاعد و بهذا تكون طرابلس قد رضخت للإبتزاز شفقة على البلاد من الانقسام. وكمثال فاضح على قوننة العنصرية والتمييز فقد حصلت مدينة مصراتة التابعة لطرابلس على 8 مقاعد فقط بالرغم من أن عدد سكانها حوالي (450,000 نسمة) في حين حصلت مدينة سبها التابعة لمنطقة فزان على 9 مقاعد مع أن عدد سكانها لا يزيد عن (96,000 نسمة). وبالاقتباس من التقرير الذي نشره مركز كارتر عن القوانين الانتخابية في ليبيا قوله “في حين أن [النظام الحالي] قد لبى المصالح السياسية، [فقد فشل] في الوفاء بالتزام ليبيا تجاه القانون الدولي العام بضمان المساواة في حق الاقتراع عن طريق ضمان تكافئ جميع أصوات الناخبين “. وكانت نتيجة هذا الإجحاف أن الناخبين في الجزء الشرقي من ليبيا سوف يمثلهم في مجلس النواب – نسبةً إلى عدد السكان- ما يقرب من 3 أضعاف الأعضاء الذين سيمثلون الناخبين في الجزء الغربي من ليبيا. أما في منطقة فزان الجنوبية، فإن هذه النسبة سترتفع بشكل صارخ إلى ستة أضعاف. نتساءل إذا كيف يكون الحال في الولايات المتحدة الأمريكية إن منح قانون الإنتخاب الأمريكي ولاية تينيسي 27 ممثلا في مجلس النواب بينما لم يمنح ولاية ماساتشوستس التي تماثلها في عدد السكان إلا 9 نواب؟ .وعلى الرغم من هذا القصور كله، يهرع الساسة في ليبيا والأمم المتحدة، والرئيس الفرنسي وغيرهم إلى إجراء انتخابات بدون إصلاح هذه العيوب الفاحشة. أما السوءة الثانية لهذا القانون فتكمن في الطريقة التي يتم بها انتخاب ممثلي الدوائر الإنتخابية. على سبيل المقارنة، في الولايات المتحدة لا يمثل الدائرة الإنتخابية إلا نائب واحد ولا يمكن للناخبين التصويت إلا لمرشح واحد. أما في ليبيا، مع أن كل مواطن يستطيع التصويت لخيارٍ واحد فقط (صوت واحد غير قابل للتحويل)، ولكن غالباً ما يتم تمثيل كل دائرة انتخابية بعدة ممثلين. فإن فرضنا بوجود دائرة انتخابية لها ثلاث مقاعد و بها مرشح كفؤ مناصر للثورة ذو شعبية و يتحصل على 80% من الاصوات مثلا، سيشغل هذا المرشح مقعدا واحدا ويتبقى مقعدين اثنين يفوز بهما من هما ضئيلا الكفاءة ضعيفا الشعبية من اتباع النظام السابق أو من الجماعات المتطرفة. وهكذا يكون قد تغلب بعدد المقاعد المرشحون الهامشيون الذين يحصلون على بضع مئات من الأصوات على الأكفاء الحاصلين على عشرات الالاف من الأصوات مصادرين بذلك الخيار الديمقراطي لشعب بأكمله. وهذا ما تحقق فعلا في الإنتخابات: عقيلة صالح المعروف بنصرته للقذافي و بيعته له صار رئيسا لمجلس النواب في يونيو 2014 بعد حصوله على 913 صوت فقط. ولزيادة الطين بلة، فإن اختلاف الأنظمة واللوائح الضابطة من دائرة انتخابية إلى أخرى ، يزيد من التفاوت في وزن أصوات الناخبين. مركز كارتر أشار إلى أن 50 من أصل 73 دائرة انتخابية، سمحت للناخبين بالإدلاء بتصويتين بدلا من تصويت واحد فقط مما شكل انتهاكا أخر للقواعد الدولية للإنتخاب. و كان هذا عاملا آخر لتفضيل مناطق على أخرى مكرسا التمييز والغلبة القبلية والجهوية. ولم تعدَّل هذه العيوب حتى في مسودة الدستور الأخيرة. بل تم تجاهلها لعدم وجود دافع ذاتي للإصلاح عند أعضاء هيئة صياغة الدستور التي تم انتخابها بنفس القانون الجائر. ولكن قبل أن تنعقد أية انتخابات جديدة في ليبيا يتحتم أن تقوَّم هذه العيوب. فحذاري من انتخابات تعزز الوضع المتأزم و تمنح الحكام الجدد ردَاء كذِباً من الشرعية لا يستند على دستور يضبطهم أو قوانين تردعهم. و بدون دستور منصف وقوانين حازمة ستنزلق ليبيا مجددا نحو الحكم التعسفي الذي تحنوا اليه النخب الحاكمة في الشرق الأوسط كله. إضافة إلى إصلاح هذه المشاكل المعيبة في قانون الإنتخابات الليبي، لا بد أيضاً من إتاحة الوقت لبروز مرشحين جدد يؤمنون بالديمقراطية الحقة و مبادئ الثورة. وهؤلاء عادة تنقصهم الموارد بقدر ما تفيض هذه الموارد وتزداد عند الطبقة الحاكمة الحالية التي تسعى للاستمرار في الحكم. فالاستعجال في إجراء الإنتخابات سيحرم العناصر المؤهلة الصادقة من فرصة متكافئة لخوض غمار الإنتخابات والفوز فيها. بل سيُمَكِّنُ الاستعجالُ لأطرافٍ تنعم بالمال و السلطان والدعم الأجنبي المصري والإماراتي وغيرهم من الأنظمة الكارهة للديمقراطية و المكبلة للحرية. إنه لمن المفارقات إذاً أن تكون الدعوة إلى إجراء انتخابات في ليبيا في مثل هذا الوقت هي دعوة لترسيخ مؤسسات الظلم و الطغيان. إن الدعوة لإلغاء الإنتخابات المنتظرة قد تبدو دعوة فيها شئ من التشدد. و لكن منظومة القوانين الإنتخابية الحالية ستمهد الطريق لأعداء الديمقراطية و المتطرفين و الانتهازيين من اعتلاء سدة الحكم و تحرم ملايين الليبيين من حق المواطنة الفطري. ولهذا كله فإنه لا مناص من إعادة صياغة القانون الإنتخابي على أسس سليمة عادلة. وسيكون هذا الإصلاح مكسبا لليبيين خاصة ولمنطقة المتوسط عامة. التعداد السكاني يعتمد إحصاء سنة 2006 وبما أن معدل زيادة السكان متكافئ بين مناطق ليبيا (حوالي 0.7 % سنويا) فالنسب أدناه تظل دقيقة.

بقلم: عماد الدين المنتصر عادة ما تكون الدعوة إلى الإنتخابات التنافسية في بلد ما، دليلاً على ديمقراطية نابضة بالحياة. أما في ليبيا، فالأمر يختلف تماماً. حيث أن اندفاع الجميع نحو الإنتخابات، بدءاً من أمراء الحرب و السياسيين المدعومين من الخارج، ووصولاً إلى الأمم المتحدة، سيحكم على الشعب الليبي بمستقبل مضطرب لا يتساوى فيه أبنائه أمام الدستور. ويكمن هذا الخطر في النظام الذي تتبعه ليبيا في الإنتخابات بموجب القانون رقم 10، وترسيم دوائر الإنتخابات الذي يمنح أقلية من الشعب الغَلَبة فوق غيرهم من أبناء وطنهم. و يفسح هذا القانون نفسه المجال للعناصر المتربصة كأنصار القذافي والمتطرفين، بالاستحواذ على نسبة عالية من مقاعد مجلس النواب، بالرغم من أنهم لا يحظون إلا بدعم قلة من الشعب. وعلى الرغم من هذه العيوب الخطرة، فقد دعت الجماعات الحزبية والقوى السياسية من داخل ليبيا وخارجها إلى إجراء الإنتخابات، كوسيلة للهروب من الفشل الذريع الذي أصاب الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة والذي كرس حالة الفوضى و لم يتمخض عن حكومة شرعية. فها هو فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني الهشة يدعو لإجراء انتخابات في آذار/مارس من العام المقبل، بينما دعا عارف النايض المدعوم من الإمارات العربية المتحدة وأحد الحالمين بالرئاسة إلى إجراء انتخابات في غضون بضعة أشهر. وحتى غير الليبيين هم كذلك يلهثون وراء هذا السراب. فبعثة الأمم المتحدة في ليبيا تجري محادثات سرية مع لاعبين رئيسيين لحثهم على الاستعداد لخوض الإنتخابات، في حين استضاف الرئيس الفرنسي المنتخب حديثا إيمانويل ماكرون كلا من أمير الحرب خليفة حفتر والسيد فايز السراج، في اجتماع في الشهر المنصرم أُصدر على إثره بياناً رسمياً يدعو إلى “انتخابات عاجلة”. ولعمري كيف لبلد لا تستطيع فيه الفرق المتناحرة على السلطة أن تتفق حتى على تأمين الكهرباء و الماء لمواطنيها، أن يحصل على السلم و الاستقرار بمجرد إجراء انتخابات على عجل. السبب في هذا الاندفاع بسيط جدا: النخبة المستحكمة تسعى للحفاظ على مكاسبها من خلال انتخابات تجري على عينها وبرعايتها. الآلة الانتخابية للحالمين بالرئاسة كمحمود جبريل وعارف النايض وعلي زيدان وللحالمين بالكراسي البرلمانية ظلت تعمل في الخفاء منذ سنين. وساعد كل أولئك قدرة بعضهم على تخزين المال اعتمادا على الفساد الهائل الذي يعصف بالبلاد. وهذه المعادلة المعتمدة على المال والسلطان تمدهم جميعا بقوة دفع ذاتية هائلة. ولعل أحد الاسباب الأخرى لهذا التسابق نحو الإنتخابات هو قلق بارونات السياسة الحاليين من تأثير حملة انتخابية محتملة لخليفة حفتر لا يحمد عقباها. فهم إذا يهمهم انطلاق السباق نحو الكراسي بينما حفتر لا يزال مكبلا بحرب لم يستطع حسمها في شرق البلاد. من المُحال أن تأتي انتخابات جديدة بالخير و السلام على ليبيا إن لم تكن هذه الإنتخابات نفسها مستندة على أسس شرعية صحيحة عادلة. أما النظام الإنتخابي الليبي، الذي أسسه نفس أولئك المتربصين للإستفادة من عيوبه، يفتقر إلى الحد الأدنى من الشرعية والإنصاف. فقد تم التصويت على القانون الإنتخابي الحالي في مارس 2014 تمهيدا لانتخاب مجلس النواب. واعتمد هذا القانون على نظيره رقم 4 لسنة 2012 وأبقى على بنوده التي تخدم مصالح الجماعات التي لا تتمتع بشعبية كبيرة كالإسلاميين و غيرهم من الذين منحهم القانون فرصة الفوز بالمقاعد البرلمانية على الرغم من ضئالة الأصوات التي يتحصلون عليها. أول هذه السوءات التي يعاني منها قانون الإنتخابات هي اختلاف الثقل الإنتخابي للأصوات من منطقة إلى أخرى. فحسب مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، العملية الديمقراطية تعتمد أساسا على أن يكون لصوت شخص ما نفس الثقل الإنتخابي لصوت أي فرد آخر. بالإضافة إلى ذلك، فإن طريقة حساب الأصوات والمقاعد “يجب أن تعكس توزّع الناخبين”. و تستمر دعوات الأمم المتحدة في الحث على المضي قدما في الإنتخابات الليبية على الرغم من إخلال النظام الإنتخابي الليبي الحالي بكلا الشرطين. فالدوائر الإنتخابية قد حددت بناء على حسابات قبلية و جهوية وليس حسب توزيع السكان. و نتج عن ذلك أن بعض المناطق قد استحوذت على نسبة غير متكافئة من المقاعد الإنتخابية. لقد كان النظام الإنتخابي الليبي ضحية للصراعات المناطقية. فليبيا تاريخياً مقسمة إلى ثلاث مناطق هي: طرابلس غرباً، وبرقة شرقاً، وفزان جنوباً. وفي الوقت الذي عانت فيه جميع المناطق الليبية من وطأة حكم القذافي، إلا أن قاطني منطقتي برقة وفزان يدّعون أن التهميش و الحرمان نالهم أكثر من غيرهم. ومع وجود القبلية المقيتة التي يشتد عودها في الجنوب والشرق وهذه المشاعر الملتهبة بالحرمان جاد قانون الإنتخابات الليبي على هذه المناطق بمزيد من التمثيل في مجلس النواب في عملية مفاضلة و محاباة فاقت كل التوقعات والحسابات. فعلى الرغم من كون طرابلس أكثر المناطق اكتظاظا بالسكان -حيث يقطنها ثلثا سكان ليبيا- فقد وافق ممثليها على تخصيص دوائر انتخابية، أدت بالنتيجة إلى حصول طرابلس على 52٪ فقط من إجمالي المقاعد و بهذا تكون طرابلس قد رضخت للإبتزاز شفقة على البلاد من الانقسام. وكمثال فاضح على قوننة العنصرية والتمييز فقد حصلت مدينة مصراتة التابعة لطرابلس على 8 مقاعد فقط بالرغم من أن عدد سكانها حوالي (450,000 نسمة) في حين حصلت مدينة سبها التابعة لمنطقة فزان على 9 مقاعد مع أن عدد سكانها لا يزيد عن (96,000 نسمة). وبالاقتباس من التقرير الذي نشره مركز كارتر عن القوانين الانتخابية في ليبيا قوله “في حين أن [النظام الحالي] قد لبى المصالح السياسية، [فقد فشل] في الوفاء بالتزام ليبيا تجاه القانون الدولي العام بضمان المساواة في حق الاقتراع عن طريق ضمان تكافئ جميع أصوات الناخبين “. وكانت نتيجة هذا الإجحاف أن الناخبين في الجزء الشرقي من ليبيا سوف يمثلهم في مجلس النواب – نسبةً إلى عدد السكان- ما يقرب من 3 أضعاف الأعضاء الذين سيمثلون الناخبين في الجزء الغربي من ليبيا. أما في منطقة فزان الجنوبية، فإن هذه النسبة سترتفع بشكل صارخ إلى ستة أضعاف. نتساءل إذا كيف يكون الحال في الولايات المتحدة الأمريكية إن منح قانون الإنتخاب الأمريكي ولاية تينيسي 27 ممثلا في مجلس النواب بينما لم يمنح ولاية ماساتشوستس التي تماثلها في عدد السكان إلا 9 نواب؟ .وعلى الرغم من هذا القصور كله، يهرع الساسة في ليبيا والأمم المتحدة، والرئيس الفرنسي وغيرهم إلى إجراء انتخابات بدون إصلاح هذه العيوب الفاحشة. أما السوءة الثانية لهذا القانون فتكمن في الطريقة التي يتم بها انتخاب ممثلي الدوائر الإنتخابية. على سبيل المقارنة، في الولايات المتحدة لا يمثل الدائرة الإنتخابية إلا نائب واحد ولا يمكن للناخبين التصويت إلا لمرشح واحد. أما في ليبيا، مع أن كل مواطن يستطيع التصويت لخيارٍ واحد فقط (صوت واحد غير قابل للتحويل)، ولكن غالباً ما يتم تمثيل كل دائرة انتخابية بعدة ممثلين. فإن فرضنا بوجود دائرة انتخابية لها ثلاث مقاعد و بها مرشح كفؤ مناصر للثورة ذو شعبية و يتحصل على 80% من الاصوات مثلا، سيشغل هذا المرشح مقعدا واحدا ويتبقى مقعدين اثنين يفوز بهما من هما ضئيلا الكفاءة ضعيفا الشعبية من اتباع النظام السابق أو من الجماعات المتطرفة. وهكذا يكون قد تغلب بعدد المقاعد المرشحون الهامشيون الذين يحصلون على بضع مئات من الأصوات على الأكفاء الحاصلين على عشرات الالاف من الأصوات مصادرين بذلك الخيار الديمقراطي لشعب بأكمله. وهذا ما تحقق فعلا في الإنتخابات: عقيلة صالح المعروف بنصرته للقذافي و بيعته له صار رئيسا لمجلس النواب في يونيو 2014 بعد حصوله على 913 صوت فقط. ولزيادة الطين بلة، فإن اختلاف الأنظمة واللوائح الضابطة من دائرة انتخابية إلى أخرى ، يزيد من التفاوت في وزن أصوات الناخبين. مركز كارتر أشار إلى أن 50 من أصل 73 دائرة انتخابية، سمحت للناخبين بالإدلاء بتصويتين بدلا من تصويت واحد فقط مما شكل انتهاكا أخر للقواعد الدولية للإنتخاب. و كان هذا عاملا آخر لتفضيل مناطق على أخرى مكرسا التمييز والغلبة القبلية والجهوية. ولم تعدَّل هذه العيوب حتى في مسودة الدستور الأخيرة. بل تم تجاهلها لعدم وجود دافع ذاتي للإصلاح عند أعضاء هيئة صياغة الدستور التي تم انتخابها بنفس القانون الجائر. ولكن قبل أن تنعقد أية انتخابات جديدة في ليبيا يتحتم أن تقوَّم هذه العيوب. فحذاري من انتخابات تعزز الوضع المتأزم و تمنح الحكام الجدد ردَاء كذِباً من الشرعية لا يستند على دستور يضبطهم أو قوانين تردعهم. و بدون دستور منصف وقوانين حازمة ستنزلق ليبيا مجددا نحو الحكم التعسفي الذي تحنوا اليه النخب الحاكمة في الشرق الأوسط كله. إضافة إلى إصلاح هذه المشاكل المعيبة في قانون الإنتخابات الليبي، لا بد أيضاً من إتاحة الوقت لبروز مرشحين جدد يؤمنون بالديمقراطية الحقة و مبادئ الثورة. وهؤلاء عادة تنقصهم الموارد بقدر ما تفيض هذه الموارد وتزداد عند الطبقة الحاكمة الحالية التي تسعى للاستمرار في الحكم. فالاستعجال في إجراء الإنتخابات سيحرم العناصر المؤهلة الصادقة من فرصة متكافئة لخوض غمار الإنتخابات والفوز فيها. بل سيُمَكِّنُ الاستعجالُ لأطرافٍ تنعم بالمال و السلطان والدعم الأجنبي المصري والإماراتي وغيرهم من الأنظمة الكارهة للديمقراطية و المكبلة للحرية. إنه لمن المفارقات إذاً أن تكون الدعوة إلى إجراء انتخابات في ليبيا في مثل هذا الوقت هي دعوة لترسيخ مؤسسات الظلم و الطغيان. إن الدعوة لإلغاء الإنتخابات المنتظرة قد تبدو دعوة فيها شئ من التشدد. و لكن منظومة القوانين الإنتخابية الحالية ستمهد الطريق لأعداء الديمقراطية و المتطرفين و الانتهازيين من اعتلاء سدة الحكم و تحرم ملايين الليبيين من حق المواطنة الفطري. ولهذا كله فإنه لا مناص من إعادة صياغة القانون الإنتخابي على أسس سليمة عادلة. وسيكون هذا الإصلاح مكسبا لليبيين خاصة ولمنطقة المتوسط عامة. التعداد السكاني يعتمد إحصاء سنة 2006 وبما أن معدل زيادة السكان متكافئ بين مناطق ليبيا (حوالي 0.7 % سنويا) فالنسب أدناه تظل دقيقة

تفاصيل الخبر على الرابط التالي: http://www.eanlibya.com/archives/135249

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟