أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 23 نوفمبر 2017.

مطالعة دورية لخبراء حول قضايا تتعلق بسياسات الشرق الاوسط وشمال افريقيا ومسائل الامن

مطالعة دورية لخبراء حول قضايا تتعلق بسياسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومسائل الأمن

فاروق مردم بك |مؤلّف كتب عدة من ضمنها "مسارات من باريس الى القدس: فرنسا والصراع العربي الاسرائيلي" (Itinéraires de Paris a Jérusalem: la France et le Conflit Israélo-Arabe) الصادر عن مجلة الدراسات الفلسطينية، والذي تَشارك في كتابته مع سمير قصير؛ مردم بك هو أيضاً مدير سلسلة "سندباد" في دار "آكت سود" (Actes Sud) الفرنسية

اكتسبت فرنسا حظوة أكيدة في العالم العربي وضمنت مصالحها الاقتصادية نتيجةً لما اعتدنا تسميته "السياسة العربية لفرنسا"، والتي انطوت في جوهرها على مقاربة موضوعية ومستقلة حيال المسألة الفلسطينية. لكن الاضطرابات التي تهزّ العالم بأسره، والتغييرات التي سعى إلى تحقيقها الرؤساء الفرنسيون المتعاقبون على اختلاف ميولهم السياسية والإيديولوجية والعاطفية، أدّت إلى استبدال هذه المقاربة الواسعة تدريجياً بالعلاقات الثنائية، سواء أكانت هذه جيّدة أم سيئة، مع مختلف الدول العربية.

ليس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إذاً، أول رئيس يزعم، باسم الفاعلية والبراغماتية، بأنه سيلعب دوراً في الشرق الأوسط يميّزه عن خلفه. لكن الدور الوحيد الذي سيوكل إليه، والذي أصبحت مؤشراته الأولى واضحة للعيان، أنه سيكون شريكاً تابعاً لدونالد ترامب أو فلاديمير بوتين.

والحال أن كل تصريحات ماكرون ومواقفه دليلٌ على هذا المنحى. إذ أنه لايعرف مع من يتعامل في هذه المنطقة الخطرة والبائسة من العالم، ويظن أن بإمكانه إعادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى رشده عبر التوجّه إليه بعبارة "عزيزي بيبي"، أو دفع الرئيس السوري بشار الأسد إلى التنحّي عبر التفاوض معه. ويجهل ماكرون، أو يتجاهل، طموحات إيران الإمبريالية، ويقترح استئصال الإرهاب عبر التحالف مع الأنظمة نفسها التي ينبثق الإرهاب منها. وبالتالي، سياسته هذه ليست أكثر من فقاعة صابون فارغة وطائشة، ومحكوم عليها بأن تهيم على وجهها.

فرانسوا دالنسون |مراسل صحافي متخصص في الشؤون الأجنبية في صحيفة لاكروا في باريس

سيحاول إيمانويل ماكرون، كما أسلافه، زيادة أصول فرنسا الاستراتيجية إلى حدّها الأقصى- في مجالات عضويتها الدائمة في مجلس الأمن الدولي، ووضعيتها كقوة نووية، وقدراتها العسكرية- بهدف استعادة مكانة فرنسا الضائعة في منطقة الشرق الأوسط. وعدا موقف ماكرون المؤيد لأوروبا، نرى أنه يشاطر الفرنسيين كافة وجهة النظر التقليدية إزاء أوروبا باعتبارها وسيلة لإبراز القوة والنفوذ الفرنسيين، وللتعويض عن محدودية كون فرنسا قوة متوسطة. كانت باريس طلبت في السابق من شركائها الآخرين في الاتحاد الأوروبي تقاسم عبء عملياتها العسكرية في منطقة الصحراء الغربية لكنها لم تنَل مرادها. ويبدو أن ماكرون، باسم الفعالية، على استعداد لاتباع نهج أكثر براغماتية و"تحت راية الاتحاد الأوروبي" أو نهج آخر متعدد الأطراف، أو النهجين على السواء، في مسعى لرسم أطر إقليمية ودولية تكون فرنسا طرفاً رئيساً فيها.

هنا يتبادر إلى أذهاننا مثالان: ففي سورية، يريد ماكرون أن يضع فرنسا في موقع "الوسيط النزيه"، عبر التواصل مع الأطراف المعنية كافة، بما فيها الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي وشركائها الأوروبيين، فضلاً عن الجهات الفاعلة الإقليمية على غرار إيران وتركيا والسعودية. وتسعى باريس إلى إبرام تسوية سياسية واسعة، من خلال عملية تشارك فيها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والقوى الإقليمية. بيد أن السؤال المطروح يتمثّل في ما إذا كانت موسكو وواشنطن في حاجة فعلاً إلى فرنسا. فروسيا ترعى إطارها متعدد الأطراف الخاص بها من خلال محادثات الأستانة، وتشارك بشكل مباشر مع واشنطن في إقامة مناطق خفض التصعيد في الجنوب ووادي الفرات.

وفي منطقة الساحل، أعاد ماكرون إطلاق "قوة دول الساحل الخمس"، التي تضم 5 آلاف جندي من خمس دول أفريقية. وتسعى هذه القوة، بعد أن صادق مجلس الأمن على إنشائها، إلى الحصول على دعم جهات فاعلة أخرى، بما فيها الاتحاد الأوروبي. بيد أن فرنسا لم تتمكن حتى الآن من تغيير الموقف المتردّد لإدارة ترامب حول تقديم الدعم المالي إليها.

أما السؤال الرئيس فهو كيف سيتمكّن ماكرون من تحقيق توازن فعّال بين المصالح الوطنية الفرنسية وبين التوجّه التعددي. ومن المرجّح أن تُثبط محاولته لزيادة القوة والنفوذ الفرنسيين في الشرق الأوسط، ما لم يتمكّن من العمل كمحفز لجهد أوروبي منسّق ولعمليات متعددة الأطراف، بدلاً من تقديم مبادرات أحادية الجانب. تجدر الملاحظة هنا أن فشله في التنسيق مع إيطاليا بشأن مبادرته الأخيرة حول ليبياأثارت الدهشة في أوروبا، ما أدّى إلى التشكيك في التزامه العمل مع شركائه في الاتحاد الأوروبي لإيجاد حلول للمشاكل المشتركة.

مارك بييريني |باحث زائر في مركز كارنيغي أوروبا، وسفير سابق للاتحاد الأوروبي، ورئيس بعثته لدى تركيا (2006-2011)، وسفير سابق في تونس وليبيا (2002-2006) وسورية (1998-2002) والمغرب (1991-1995). كما كان أول منسّق للشراكة الأورو-متوسطية، أو عملية برشلونة (1995-1998)

أطلق ماكرون، في بداية عهده الذي غلبت عليه أجواء التفاؤل، سلسلةً من المبادرات تتعلّق بالسياسة بالخارجية حول مسائل معقّدة شملت روسيا والولايات المتحدة والشرق الأوسط وليبيا، وكان هدفها وضع فرنسا مجدّداً على خريطة السياسة الخارجية، بعد رئاسة فرانسوا هولاند التي نُظر إليها على نطاق واسع على أنها فاشلة دبلوماسياً.

يتمحور السؤال، وفق التعابير السياسية الفرنسية، حول ما إذا ستتكلل هذه المبادرات بالنجاح أم ستبقى مجرّد مناورات لتحقيق الحضور والظهور العام. أما من منظور السياسة الأوروبية، فالسؤال هو ما إذا سيتم تنفيذ أي من هذه المبادرات على مستوى فرنسي بحت، أم على مستوى الاتحاد الأوروبي، بعد أن تضاءل دور مؤسسات الاتحاد الأوروبي بفعل معاهدة لشبونة. بالطبع، لن يقاوم أي رئيس فرنسي حتماً الإغراء المتمثّل في إعطاء الأولوية للدور القيادي الذي تلعبه فرنسا، بدل تفضيل دور الاتحاد الأوروبي.

تجدر الإشارة إلى أن منطقة الشرق الوسط تحديداً كانت مقبرة للعديد من المبادرات الدبلوماسية، وأحرق فيها سياسيون مخضرمون أصابعهم. كمواطن فرنسي، أودّ أن يخوض ماكرون غمار السياسة في المنطقة بشكلٍ أفضل وأذكى ممن سبقوه. لكن، للأسف، يبدو أن الاحتمالات تعاكسه – مثلما تعاكس كل سياسي غربي آخرنظراً إلى استعراض العضلات الذي اعتمدته روسيا في سورية بعد أيلول/سبتمبر 2015، وإلى تردّي العلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية على نحو مطّرد. لذلك، قد يعطي الإطار الأوروبي زخماً أكبر لمبادرات ماكرون.

جوزيف باحوط| باحث زائر في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط، ومستشار سابق في مركز التحليل والتنبؤ والاستراتيجية في وزارة الخارجية الفرنسية

إذا كان السؤال "هل يبذل إيمانويل ماكرون قصارى جهده لتوسيع وجود فرنسا في الشرق الأوسط؟" فالجواب هو "نعم". فبعد مرور ثلاثة أشهر فقط على تسلّمه منصب الرئاسة، يملك ماكرون ما لايقل عن أربعة مواقف أو مبادرات قوية تركّز على الشرق الأوسط الأوسع. وهي: موقفه إزاء النزاع في الصحراء الغربية؛ وتصريحاته المثيرة للجدل والغامضة حول الشأن السوري التي تُعتبر مختلطة مع بعض التطمينات؛ ومحاولة خجولة لكن رفيعة المستوى للتوسّط بين قطر وبين خصومها في الخليج؛ وقمة مُجلجلة إعلامياً حول ليبيا، ما يشير إلى وجود رغبة فرنسية في تولي زمام المبادرة لحل إحدى أكثر الأزمات تعقيداً في المنطقة.

يؤيّد الرئيس الفرنسي بشكل حازم الحيوية السياسية، ويُفصح بشكل علني عن أن هدفه يتمثّل بالوصول إلى ما وصل إليه رؤساء كشارل ديغول وفرانسوا ميتران اللذان تركا بصمات بارزة في الشؤون الدولية الفرنسية. وتُعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الحديقة الخلفية الأقرب حيث يمكن لفرنسا أن تلعب هذا الدور بشكل فعّال، ما من شأنه أن يحظى بدعم الرأي الفرنسي المحلي، ربما لأنه يُعتقد بأن لذلك صلة مباشرة بالحرب ضد الإرهاب وبأمن الفرنسيين الخاص.

وبالتالي، من المتوقّع أن يستمر ماكرون في السعي إلى الاضطلاع بدور أكبر على الساحة الشرق أوسطية. أما في ما يتعلق بإمكانية نجاحه في ذلك، فلابدّ من أن يتذكّر، مع انطلاق مسيرته المليئة بالصعوبات، اعتراف شارل ديغول أنه غالباً ما قارب الشرق الأوسط المعقّد بأفكار مبسّطة للغاية

مركز كارنيجي الشرق الاوسط.

Top of Form

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟