أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 23 نوفمبر 2017.

الشتات الجهادي من يقود الحركة الجهادية العالمية

الشتات الجهادي: من يقود الحركة الجهادية العالمية؟

واشنطن – علي مرهون

تعتبر جلسات الاستماع التي يعقدها الكونجرس الأمريكي مع الخبراء المعنيين في مختلف المجالات من أهم الأدوات التي يعتمد عليها الأعضاء في تشكيل وجهات نظرهم وبالتالي تحديد سلوكهم التصويتي بخصوص الموضوعات محل النقاش في الكونجرس. وعلى صعيد السياسة الخارجية، تلعب هذه الجلسات دوراً بارزاً في تحديد توجهات الأعضاء تجاه قضايا السياسة الخارجية الأمريكية؛ وتشير هذه الجلسات عادةً إلى الموضوعات الأكثر الحاحاً في الاستراتيجية الأمريكية المعنية بالأمن القومي والسياسة الخارجية. وفي هذا السياق، عقدت لجنة الأمن القومي في الكونجرس الأسبوع الماضي جلستان استماع عن الحركات الجهادية، تنظيمي القاعدة وداعش، وقد تناولت هاتين الجلستين عدد من النقاط المهمة، التي يقدمها التقرير التالي بشيء من التفصيل.

التهديد الراسخ: تحوّل القاعدة والقدرة على الصمود

انعقدت أولى هاتين الجلستين في 13 يوليو تموز وذلك بغض مناقشة التهديد المستمر الذي يشكله تنظيم القاعدة، وسعيه من أجل استعادة قيادة الحركة الجهادية العالمية مرة أخرى، في الوقت الذي يواجه فيه تنظيم داعش ضغوطاً متواصلة من جانب القوات الأمريكية وقوات التحالف. إن ظهور جيل جديد من قيادات تنظيم القاعدة، وتركيزها المتجدد على شبكات منتسبيها، يؤكد أن القاعدة ستظل تشكل تهديدا طويل الأمد للأمن القومي الأمريكي. وقالت اللجنة أنها ستركز على الكيفية التي تطورت وتحولت بها القاعدة في السنوات الأخيرة، وكيف يمكن أن يستجيب الكونجرس والإدارة الأمريكية الجديدة لهذه التهديد.

وأدلت كاثرين زيمرمان Katherine Zimmerman الباحثة في معهد American Enterprise Institute بشهادتها في هذا السياق، حيث اكدت أن استراتيجية الولايات المتحدة تمهد السبيل لتنظيم القاعدة لقيادة الحركة السلفية الجهادية مرة أخرى، في وقت تكون فيه هذه الحركة الأقوى من أي وقت مضى في تاريخها. وأضافت أن القاعدة قد تكيفت وتطورت، حيث ركزت الولايات المتحدة – بقصر نظر – على استعادة مدينتين من تنظيم داعش (الرقة والموصل). وأشارت الباحثة أن تنظيم القاعدة قد أصبح أكثر مرونة واستعدادا لاستغلال نقاط الضعف الاستراتيجية الخاصة بالغرب، واستغلال الفرصة التي أتاحتها الصراعات في العالم الإسلامي للنهوض بأهدافه الاستراتيجية مرة اخرى. ونبهت الباحثة أن استراتيجيات القاعدة مؤخراً تعمد على عدم لفت نظر واشنطن، بيد أنه خلق تواجد له في حركات جهادية محلية في مالي وسوريا وأفغانستان التي ستكون مصدرا لقوة التنظيم. وختمت الباحثة بقولها إن ظهور داعش حفز الحركة السلفية الجهادية على الصعيد العالمي، والتي ستستمر في تعزيز القاعدة بعد فترة طويلة من انتهاء داعش، مشيرةً إلى استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة تنظيم القاعدة ظلت دون تغيير نسبيا منذ عام 2001 حتى مع تحوّل التنظيم، ولا تعترف الولايات المتحدة حتى بخطورة التهديد الذي تشكله القاعدة اليوم.

القاعدة تقود المشهد الجهادي في سوريا

وأدلت جنيفر كافاريلا Jennifer Cafarella وهي كبيرة التخطيط الاستخباراتي في معهد Institute for the Study of War بشهادتها عن الموضوع. وافتتحت الباحثة شهادتها مشيرةً أنه بعد ستة عشر عاما من هجوم 11 سبتمبر، لا تزال الولايات المتحدة لا تفهم عدوها. وتناولت الباحثة عدة نقاط، منها أن القاعدة وتنظيم داعش هي من نخب المنظمات العسكرية التي تسعى إلى حرب دينية دفاعا عن الطوائف السنية، والتي ينظر إليها على أنها تحت تهديد وجودي. وأضافت أن استراتيجية القاعدة هي أكثر صرامة وغدراً من داعش، حيث تسعى لتحقيق أهداف طويلة الأجل بدلا من انتصارات قصيرة الأجل. وتنطوي هذه الاستراتيجية أولا على إقناع السكان المسلمين السنة بأهدافها، ومن ثم كسب هذا الدعم السني ضد الغرب. ويكمن الجهد الرئيسي لتنظيم القاعدة في سوريا، التي أصبحت أكبر حاضنة جهادية في العالم، هو تطويق الانتفاضة ضد نظام الأسد وتحويلها إلى تمرد ديني عالمي. كما أن القاعدة تكرس مواردها لإعادة هيكلة المعارضة السورية المسلحة تحت قيادة أعضائها في سوريا. وأشارت الباحثة إلى أن القاعدة لا تنوي السيطرة على المعارضة السورية بشكل مباشر، لأن هذا قد يؤدي إلى رد فعل يتمثل في إمكانية تهميش موقع التنظيم داخل المعارضة. واكدت الباحثة أن نهوض القاعدة في سوريا هو، بشكل كبير، نتيجة مباشرة لاستراتيجية الرئيس السوري بشار الأسد وحلفائه إيران وروسيا. وقد كان نهوض القاعدة أسرع في شمال غرب سوريا، حيث كَثَفت الحملة العسكرية لنظام الأسد وحلفاؤه منذ تدخل روسيا في سبتمبر/أيلول 2015. وأشارت إلى أن الدعم المحلي للقاعدة في سوريا وبعض الدول يمنحها أولوية عسكرية كبيرة، خاتمةً بأن الجهود المحلية الحالية لتنظيم تجعله أكثر خطورة – وليس أقل – على الولايات المتحدة الأمريكية التي تتبع استراتيجية فاشلة في سوريا، مما يضمن أن تظل الساحة السورية مركزاً جهاديا رئيسيا للتجنيد في المستقبل المنظور.

وأدلى الدكتور سيث جونز Dr. Seth Jones وهو مدير المركز الدولي لسياسة الأمن والدفاع في مؤسسةRAND  بشهادته أيضا في هذا السياق، مؤكداً أن قدرة تنظيم القاعدة أو أي جماعة سلفية جهادية أخرى على العودة مجدداً ستكون نتيجة لعدة عوامل: قدرة الجماعة على الاستفادة من موجة ثانية محتملة من الربيع العربي، صعود زعيم كاريزمي، انسحاب القوات الأمريكية أو غيرها من القوات الغربية من ساحات القتال الرئيسية لمكافحة الإرهاب، إجراءات غربية أو أمريكية تغذي التصور بأن الغرب يقمع المسلمين، وقدرة تنظيم القاعدة أو غيره من المنظمات على استقطاب المتطرفين في أعقاب انهيار تنظيم داعش. وأشار الباحث أن القاعدة كتنظيم أصبح مختلف اليوم عما كان عليه قبل عقد، فهو أقل مركزية، أقل تركيزاً على العمليات الخارجية، وأقل شعبية، بيد أن التطرف الإسلامي الذي يمثله التنظيم لن يختفي قريبا. وأضاف أنه من المرجح أن تبقى الأيديولوجية بصورة من الصور، ومن المرجح أن تستمر الصراعات في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بدعم من بعض الشبكات الإرهابية في الغرب. وأضاف الباحث أن زعماء القاعدة لا يتحكمون في الظروف التي تؤدي إلى الطفرات الجهادية الجديدة، لكنهم يستغلونها عندما تتاح الفرصة. لكن الباحث أشار أنه من غير الواضح ما إذا كان تنظيم القاعدة أو غيره من الجهاديين السلفيين قادرين على الصعود في المستقبل، وحتى في حال حدوث ذلك، هل يقودها تنظيم القاعدة أو تنظيم داعش أو تنظيم جديد أو مزيج من الجماعات السلفية الجهادية؟ مضفاً أن هذه الطفرات (أو الانتعاش) تعتمد بشكل أساسي على على قدرة التنظيم على استغلال فرص مثل انسحاب أعداد صغيرة من القوات الأمريكية أو غيرها من القوات الغربية من ساحات القتال الرئيسية أو غيره من العوامل المشار إليها أعلاه.

الشتات الجهادي: بعد سقوط الخلافة

ركزت جلسة الاستماع الأخرى على حالة المجاهدين الأمريكيين بعد سقوط تنظيم داعش؛ وعلى خلفية هذا الموضوع، قالت اللجنة أنه وبينما لا يزال تنظيم داعش يواجه خسائر في أرض المعارك في العراق وسوريا، يؤمن الخبراء أنه هناك “شتات جهادي” حاصل وسيستمر، وكجزء من هذا الشتات، سينتشر المقاتلون الأجانب في أنحاء العالم، يسافر بعضهم إلى مناطق نزاع جديدة، في حين يعود آخرون إلى بلدانهم الأصلية. وقد أظهر الإرهابيون، بمن فيهم العائدين من المقاتلين الأجانب، القدرة على ضرب الغرب، وخاصة أوروبا، حيث نفذوا هجمات بمعدل غير مسبوق في المملكة المتحدة وفرنسا وبلجيكا وبلدان أخرى. وناقشت هذه الجلسة أيضا المشهد الحالي للتهديد الإرهابي وكيف سيؤثر “الشتات الجهادي” على الأمن القومي في الولايات المتحدة والغرب عموماً، والتدابير الإضافية التي يمكن أن تتخذها الولايات المتحدة لمنع هذا التهديد من الوصول إلى أراضيها.

وقد أدلى توماس جوسلين Thomas Joscelyn وهو كبير باحثين بمعهد Foundation for Defense of Democracies بشهادته عن الموضوع؛ حيث أكد أن سقوط الموصل والرقة لن يمثل نهاية تنظيم داعش، حيث عادت المجموعة إلى التمرد في بعض المناطق التي فقدتها، كما أنها لا تزال تسيطر على بعض الأراضي. وسيواصل التنظيم العمل كجيش عصابات، رغم خسائره الكبيرة. وأشار الباحث إلى تقرير في مايو/أيار، قدر فيه مكتب مدير الاستخبارات الوطنية أنه على الرغم من فقدانه أراضي كبيرة، فإن تنظيم داعش “من المرجح أن يكون لديها ما يكفي من الموارد والمقاتلين للحفاظ على عمليات التمرد والتخطيط لهجمات إرهابية على الصعيد الدولي”. وأشار الباحث إلى جملة من الأسباب لدعم هذا المنظور، منها: اولاً:عدم اليقين فيما يتعلق بعدد مقاتلي داعش، ففي حين أنها لم تعد في ذروة سلطتها، فإن التنظيم محتمل أن يكون لديه آلاف من الأعضاء المنتشرين. ثانيا: التنظيم هو تنظيم عابر للحدود، فمنذ نوفمبر/تشرين الثاني 2014، عندما أعلن أبو بكر البغدادي إنشاء “محافظات” في جميع أنحاء العالم، نمت عضوية التنظيم خارج العراق وسوريا. ثالثا: نمو عقيدة الاستشهاد. وأخيراً، تنوع أطياف المؤامرات الإرهابية، حيث هناك مخاوف مشروعة من احتمال مغادرة مقاتلين مدربين من العراق وسوريا للغرب، بعد أن يفقد تنظيم داعش قبضته على أهم مواقعه.

الجيل الثاني من الجهاديين مصدر الخطر

وأدلى السيد روبن سيمكوكس Robin Simcox وهو باحث في مؤسسة The Heritage Foundation بشهادته، التي تناول فيها ثلاث جوانب للشتات الجهادي على المدى القصير والمتوسط والبعيد، ومشيراً إلى البُعد الأوروبي للقضية. وقال الباحث أنه على المدى القصير، هناك ما بين 5-6 آلاف أوروبي قاتلوا مع تنظيم داعش، بينهم ألف مقاتل عادوا إلى المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا. وأكد الباحث على خطورة هذا التوجه بالإشارة إلى هجمات باريس وبروكسل. أما على المدى المتوسط، فإنه حتى لو لم يتم شن هذه الهجمات، فإنه من المرجح أن يتصل الجهاديون العائدون بالشبكات الإرهابية في هذه البلاد. وعلى المدى الطويل، أشار الباحث إلى انتقال عوائل بأكملها للعيش مع تنظيم داعش، مما أدى إلى ولادة 500 طفل فرنسي، 80 طفل هولندي، و50 طفل بريطاني في الأراضي التي كان يحكمها. وعليه، فإن الخطر ليس فقط من العائدين وإنما أيضاً من الأطفال. وختم الباحث بأنه من المرجح أن تدرب الجماعات الإرهابية هؤلاء الأطفال ليكونوا الجيل القادم من المقاتلين.

وختاماً، أدلى الدكتور كولين كلارك Dr. Colin Clarke  وهو باحث سياسي في مؤسسة RAND بشهادة أشار فيها أن الولايات المتحدة مقبلة على مرحلة جديدة من الريبة وعدم اليقين في ضوء الشتات الجهادي. وأشار أن هزيمة داعش سيترتب عليها ثلاثة أنواع من المقاتلين: الباقيين في ساحة المعركة، المنتقلين للمسرح الجهادي القادم، والعائدين إلى بلدانهم. من بين مجموعة العائدين، أشار الباحث أنه هناك اثنان منهم: أولاً، خائبي الأمل، وهم الذين انضموا لتنظيم داعش في أمل الانضمام لخلافة جاءت عكس تصوراتهم. وثانياً، العائدين المتحفزين، والذين قد ينضموا لخلايا نائمة أو ينشئوا خلاياهم الخاصة. وأشار الباحث أنه على الولايات المتحدة منع المقاتلين من العودة إلى الولايات المتحدة من خلال مراقبة الحدود، ومشاركة المعلومات المخابراتية مع الشركاء الأوروبيين وتركيا حيث ينشط العائدون. وعن مكافحة التطرف العنيف (فكرياً)، أشار أنه لا يمكن اليوم معرفة أي برامج أو طرق هي الأكثر تأثيراً أو نجاحاً، حيث لم يتم دراسة هذا الموضوع علمياً بشكل كافي، وهذا دافع آخر للاعتقاد بأن استراتيجية الولايات المتحدة دخلت مرحلة أخرى من الشك وعدم اليقين وذاك نتيجة تفكك أراضي تنظيم داعش.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟