أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الثلاثاء 21 نوفمبر 2017.

هل نحن جاهزون لدستور دائم

د. عيسى بغني

بقلم: د. عيسى بغني لا شك أن أي شعب مهما كان تخلفه وتردئ أوضاعه يطمح إلى وجود عقد إجتماعي محترم من الجميع ينظم حياته السياسية والإجتماعية والإقتصادية، ولقد مرت شعوب كثيرة بأسوى مما نحن فيه ثم إنتظمت شئونها تحت دستور يفصل بين السلطات في هياكل الدولة. وبناء على ذلك كانت خطة الأمم المتحدة الحالية بأن يتم حل المشكلة الليبية على ثلاث مراحل أولها تعديل الإتفاق السياسي الذي ينتج عنه توحيد مؤسسات الدولة ثم الإستفتاء على الدستور ثم الذهاب إلى إنتخابات رئاسية وتشريعية، وهو طريق ملئ بالعوائق والعراقيل الناتجة عن المستفيذين من الفوضى الحالية. من الناحية التاريخية لم يقوم الليبيون يوما بكتابة دستور، فدستور 1919 كتبه الإيطاليون وألبسوه زورا وبهتانا لليبيين بمساعدة المتأمرين معهم من الوطنيين، ودستور 1951م كتبته هيئة الأمم المتحدة ولم يكن لليبيين مشاركة، وبعد الإستقلال قام الملك والحاشية التي معه بتعطيل جزء كبير من الدستور والذي يتعلق بالإحزاب والإنتخابات، ورغم أنه دستور متطور بمقاييس ذلك الوقت إلا أنه ساء تنفيذه في عدة مجالات منها غياب المواطنة الفعلية والبقاء على الجهوية والقبلية، وعدم الإلتزام بالمواثيق الدولية، وإنتشار الفساد وعدم وجود محاسبة فعلية. لن أتحدث عن الإعلان الدستوري في زمن القذافي الصادر في ديسمبر 1969 والمنتهي في 2 مارس 1977، فهو إعلان إقصائي وضع جميع السلطات في يد مجلس قيادة الثورة ولم يتم الإلتزام به، حيث أصبحت خطابات القذافي المصدر الدائم للتشريع خلال أربعة عقود لاحقة، وحتى الوثيقة الخضراء ماهي إلا للدعاية والبهرجة الإعلامية لا غير. أما الإعلان الدستوري في سنة 2011 فهو لا يعدوا أن يكون خارطة طريق للعبور إلى تكوين الدولة ومنها الدستور الدائم، ولقد ثم الإعتداء عليه عدة مرات بالتعديل المخل، منها تعديل المواد الخاصة بلجنة الستين تحت الحصار الفيدرالي وقعقعة السلاح عند الوادي الأحمر، ناهيك عن مبداء التوافق الذي تم إغتياله من لجنة المؤتمر. من ذلك نرى أن الشعب الليبي لم يتم إستفاءه على دستور شارك في وضعه، وهذا يضع أسئلة في غاية الأهمية، منها: في وضع التشظي الحالي هل الليبيون وصلوا إلى مرحلة النضج لإستقبال مولود جديد يسمى الدستور؟، وهل الدستور هو البلسم الذي يرتجى منه جلاء كل الأسقام والعلل للدولة الليبية؟ وأخيرا ماذا لو تم الإستفتاء على الدستور ولم يتم إحترامه؟ هناك خطاء جوهري من الذين يتحمسون لإصدار الدستور بأي ثمن في زمن التشظي والحرب الأهلية، زاعمين أن ذلك سينهى المرحلة الإنتقالية، حقيقة الأمر أن الدستور يعمل على تحديد أدوار ومسئوليات وواجبات الفسيفساء المتناغمة لأي شعب، ولكنه لا يستطيع لحام الفسيفساء المتشظية، وتناغم الفسيفساء أعني بها قبول الآخر ضمن الأمة الليبية الواحدة، أو ما يسمى بالهوية الليبية وهو ما يحتاج إلى تغيير ثقافي كبير كنا نأمل أن يتحقق بعد ثورة 17 فبراير المباركة. صناعة دستور لشعب متشظي لا يصنع السلام والوئام والنظام، فمثلا ألغى السيسي دستور الرئيس مرسي في مصر بجرة قلم، وألغي حفتر الإعلان الدستوري في بيان متلفز، ناهيك عن دساتير كثيرة بادت قبل أن ترى النور. الدستور الليبي المعدل بنسخته الأخيرة الصادرة في 29 يوليو 2017 م وما قبلها في 16 أبريل لهما مزالق مشابهة، سوى أن الأخيرة قامت بتعديل عدد أعضاء مجلس الشيوخ من عشرين لكل إقليم إلى 32 للغرب و26 للشرق و20 للجنوب الليبي ليزداد عدد مجلس الشيوخ إلى 78 مقعدا، مع بعض التغييرات البسيطة في النص، أزالت عتب المقاطعين وجعلتهم يوافقون على صدورها، ونسوا أو تناسوا إشكالية المواطنة. المشكلة الأساسية في هذا الدستور مسألة المواطنة التي ينص عليها الدستور بنسختيه (المادة 7 والمادة 40) وما قبل ذلك في دستور 1951م، “بأن المواطنون والمواطنات سواء في القانون وأمامه، لا تمييز بينهم) وأن (حق التصويت يتساوى فيها المواطنون…). بالرغم من هذه النصوص تغتال المواطنة في عدة مواضع منها المادة الأولى التي تتحدث عن الأقاليم “لا يجوز التنازل …وعن الجزء من أقاليمها” فهي ليست فيدرالية في نظامها ولكنها تتضمن أقاليم منفصلة. كما نجد توزيع مجلس الشيوخ حسب الأقاليم (المادة 75) وبنسب بعيدة عن المواطنة (المساوات في الحقوق والواجبات، ومنها المساواة في حق التصويت وإحتسابه)، كما أن المعيار الجغرافي بارز في الدستور وهو أسلوب آخر لترسيخ فكرة الأقاليم، فنجد في المادة 68 والمادة 100 مراعات المعيار/التوزيع الجغرافي، والمعيار الجغرافي سيتم تحديده بقانون فهي مشكلة مؤجلة قد لا يتم الإتفاق حولها مستقبلا أو تكون موضع شد ورد لسنوات قادمة. التعديل الجديد لمجلس الشيوخ سيجعل الغرب الليبي المكتض بالسكان أقل تمثيلا بكثير من الشرق والجنوب، فثمانية مواطنين من الغرب الليبي لا يساوي صوتهم أمام مجلس الشيوخ صوت واحد من الجنوب، والأدهى من ذلك أن الأمازيغ سيكونون الحلقة الأضعف بتثبيث عدد مقاعدهم بإثنين يتيمين وزيادة عدد مقاعد مجلس الشيوخ من ستين إلى ثمانية وسبعين مقعد، وهو ما يقل كثيرا عن نظرائهم التبو والطوارق في الجنوب، أي تمرير التوافق على حساب مكون إجتماعي أصيل، ألا وهم الأمازيغ إن لم يتم زيادة عدد مقاعدهم إلى أربعة. وجود الأقاليم الثلاث يفتح الباب على مصرعيه لإنشاء أقاليم أخرى، فبرقة البيضاء ستنفصل عن برقة الحمراء (وشاهدنا ذلك في صراع حفتر مع جظران) والمنطقة الوسطى ستطالب بإقليم لها والجنوب الشرقي لا علاقة له ولا طريق يؤدي به إلى الجنوب الغربي، والتبو والطوارق والأمازيغ لهم أرض وموارد تصلح لأن تكون أقاليم وهكذا لا تنتهي القصة إلا بقبائل متناحرة وكنتونات صغيرة لا تختلف عن حال العرب في جزيرة العرب قبل الإسلام. الجدير بالذكر أن المناداة بإنشاء إقليم برقة ليس سببه إختلافا عرقيا أو دينيا أو مذهبيا أولغويا عن الكثير من الليبيين في الغرب والجنوب الليبي ولكنها مشكلة إقتصادية يتم إستغلال التاريخ لترويج حلول لها، أي إستغلال وجود برقة التاريخية، وسنوات الجمر لأربعة عقود سابقة من تهميش الجميع، لرفع سقف المطالب من الفيدراليين إما لقيام نظام فيدرالي يستغل موارد المنطقة لصالح العدد القليل من السكان أو تركيع مؤسسات الدولة لتقديم تنازلات وأفضلية لجماعات سكانية دون غيرها؛ وأعني بها ما يسمى إقليم برقة تاريخيا. من الناحية السكانية لا يوجد هناك فرق بين قبائل القطعان في طبرق والمغاربة غرب بنغازي والرجبان أو المحاميد في الغرب الليبي ولا المقارحة في الجنوب، فجميعها قبائل أصولها من بني سليم سكنت مناطق مختلفة من ليبيا. عندما نتحدث عن تأثير مفهوم المواطنة والنضج الفكري لمسالة الهوية الليبية الجامعة على الدستور نعني بها أن الجميع قد يختلف بعضه عن بعض جغرافيا وعرقيا ولغويا ودينيا، ولكنهم يعترفون جميعا بحق كل منهم في الإختلاف تحث مظلة مساواة كاملة للجميع، ولا تهضم فئة حق فئة أخرى، وينتهي معها الإرتماء والتبعية للخارج، وهنا تتجسد الهوية الليبية التي تحتاج إلى دستور ينظم حياتها، أما أن يكون هناك سلفيون يأخذون فتاويهم (وهي فوق القانون والدستور) من الرياض، وعروبيون توقف الزمن في أدمغتهم عند ميشيل عفلق وعبد الناصر ولا يرون إلا سلطة الزعيم حلا لمشاكل ليبيا، وقبائل ولائها لشيخ القبيلة أكبر من الولاء لقوانين الدولة، ومجموعات مسلحة لا تعترف بهذا ولا ذاك إلا بقوة الحديد والنار، فالدستور الليبي في هذه المرحلة سيكون ورقة يسجلها التاريخ ضمن الوثائق التي لا قيمة لها.

 

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟