أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 23 نوفمبر 2017.

مشروع مارشال دولي لمواجهة الارهاب في افريقيا

noimage

استراتيجية منقوصة: مشروع «مارشال» دولي لمواجهة الإرهاب في إفريقيا

     

احتضنت العاصمة البوركينية (واجادوجو)، خلال الفترة 6-8 سبتمبر 2017م، مؤتمراً دوليّاً حضره المئات من الخبراء والأكاديميّين والعسكريّين من نحو عشر دول إفريقية وأوروبية، للتباحث بشأن إمكانية افتتاح مشروع «مارشال» جديد؛ لمواجهة التحدّيات الأمنية في منطقة السّاحل والصحراء، التي تمثّل نقطة انطلاق للتنظيمات الإرهابية في القارة الإفريقية.

ووفقاً لمداخلات الخبراء في المؤتمر؛ فإنّ المشروع ينهض على إقامة عدّة مرتكزات، أبرزها: تنفيذ «برنامج مخصَّص للديون، يُتيح للدول الإفريقية التزوّد بالتجهيزات المناسبة؛ من أجل مواجهة التحدّيات الأمنية»، إضافةً إلى «إعداد استراتيجية لمكافحة الإرهاب على مستوى الدول الإفريقية، تندرج في إطار خطّة مشتركة على مستوى الاقتصادات المحلية».

يأتي ذلك بعد نحو شَهْريَن من «قمّة مالي»، التي اتفق فيها قادة مجموعة دول السّاحل الخمس (مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وموريتانيا، وتشاد)، بمشاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على إنشاء قوة إقليمية مشتركة ضدّ التنظيمات «الإرهابية» النّشطة بالمنطقة، وقوامها 5 آلاف عنصر، بتكلفةٍ تُقدّر بنحو 423 مليون يورو، حيث اتفق الحضور على أن تبدأ تلك القوة مهامّها بنهاية العام الجاري، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدّية: بشأن جدوى مثل هذه الاستراتيجيات «الفوقية» ذات الصبغة الأمنية؛ للتعاطي مع مخاطر الإرهاب في هذا الإقليم الإفريقي المضطرب!

مشروع مارشال: استدعاء منقوص للتاريخ:

استلهم المشروع «الإفريقي – الأوروبي» الجديد اسمه من «مشروع مارشال» التاريخي Marshall Plan، الذي نفّذته الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية لإنقاذ أوروبا من آثار الحرب، وفقاً لقانون الإنعاش الأوروبي European Recovery Act الذي أقرّه الكونجرس الأمريكي في أبريل من عام 1948م.

على الرّغم من هذا الاتفاق المظهري في الاسم؛ فإنّ ثمّة فروقاً جوهرية بين كلا المشروعَيْن؛ سياقيّاً وتطبيقيّاً، تجعل من استحضار هذا الاسم التاريخيّ البرّاق مجرّد واجهة «تضليلية» نحو مزيدٍ من إجراءات «عَسْكرة» إقليم السّاحل والصحراء؛ لصالح جيلٍ جديدٍ من الاستعماريّين الأوروبيّين، الذين يبتكرون اللافتات المضيئة لاصطياد «فراشات» المصالح والنفوذ في القارة الإفريقية؛ بنعومةٍ ويُسر.

إذ لم يكن «مشروع مارشال» التاريخي مجرّد حُزْمة من المساعدات والمِنَح والهِبَات والقروض الميّسرة الأمريكية لدول القارة الأوروبية، فحسب، لكنّه كان منظومةً استراتيجيةً متكاملةً، عمدت بها الولايات المتحدة إلى إنقاذ القارة الأوروبية من الوقوع في قبضة الأفكار الفاشية والنازية، والقومية المتعصّبة، مجدّداً؛ بفعل واقع الدّمار الذي شهدته القارة بعد سنواتٍ من الحرب والخراب.

لقد أدركت واشنطن، آنذاك، أنّ استمرار الأوضاع الاقتصادية المنهارة في أوروبا سيُساعد القوى المتطرّفة في المجتمعات الأوروبية على السيطرة على نُظُم الحُكم من جديد، لذلك كانت حُزْمة الإنقاذ الاقتصادي متوازيةً مع حُزَمٍ أخرى ذات أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية، أنتجت بناءَ نُظُمٍ ديمقراطية حقيقية، أعلت من ثقافة حقوق الإنسان، وقامت برعاية الحريات الفردية وحمايتها، وشملت بمظلتها الأطياف المجتمعية كافّةً؛ دونما تمييز أو إقصاء.

وهو الأمر الذي قفز بالقارة الأوروبية، بعد عقودٍ قليلة من بدء هذا المشروع الإنقاذي، من قارة الحروب العالمية إلى قارة «الاتحاد الأوروبي»؛ ذلك النمط الفريد من التعاون والتكامل بين الفُرقاء السابقين على الأصعدة كافّة، وصولاً إلى بناء الاستراتيجيات الدفاعية والأمنية والاقتصادية والسياسية المشتركة؛ على قَدَم المساواة.

بَيْد أنّ «مشروع واجادوجو المارشالي» الجديد هو: إعادة توظيف للمقاربات الأمنية العقيمة في التعاطي مع ظاهرة الإرهاب بالدول النامية، والتي تهدف في الأخير إلى إلقاء اللّوم على الضّحية من دون المساس بهيبة الجلاد الذي يحمل مشعل المساعدة دوماً؛ استكمالاً للدَوْر «الرّسَالي» الذي طالما أجاد «الرجل الأوروبي الأبيض» لَعِبَه في القارة السّمراء.

فحينما يكون (الضلع الأول) من «مشروع مارشال الإفريقي» الجديد هو إقامة: «برنامج مخصَّص للديون، يتيح للدول التزوّد بالتجهيزات المناسبة من أجل مواجهة التحدّيات الأمنية»؛ فإنّ هذا يعني باختصار: أنْ هَلُمّوا أيّها الأفارقة لإثقال كاهلكم بالمزيد من الديون، ومن ثَمّ التبعية، فلدينا برنامج مخصَّص يتيح لكم التزوّد بأحدث صيحات الأسلحة الأوروبية الفعّالة حتى تقاتلوا الإرهاب، وتُخلّصوا العالمَ منه، بينما تنتعش خزائن شركات الأسلحة الأوروبية التي لن تجد أفْضَل من بلدانكم سوقاً لتصريف بضاعتها الراكدة!

وعندما يكون (الضلع الثاني) من تلك الاستراتيجية هو: إنشاء قوّة إقليمية مشتركة ضدّ التنظيمات الإرهابية؛ فإنّ هذا يستتبعه وجود «قيادة» لهذه القوة المشتركة، ستكون قَطْعاً «أوروبية»، فرنسية على الأرجح، فإنّ هذا يحمل معنًى واضحاً: هو استمرار استدعاء الأوروبي «الخَيّر» لإنقاذ الإفريقي «البائس» الذي لا يستطيع العَيْش، وفقاً للذّهنية الإمبريالية الأوروبية، بعيداً عن نِير الاستعمار والانضواء تحت لوائه.

وحتى يكون الأمرُ مقبولاً؛ فلا بأس من أن يحمل (الضلع الثالث) من «مشروع مارشال الإفريقي» «جزرة» إغراء تقليدية، مع الاكتفاء بعبارةٍ مقتضبة حول: «إعداد استراتيجية لمكافحة الإرهاب على مستوى الدول، تندرج في إطار خطّة مشتركة على مستوى الاقتصادات المحلية»، إذ لا بأس في هذا الإطار أن يتمّ تمويل بعض الخدمات اللوجستية ذات الطبيعة الاقتصادية في دول الإقليم، تصبّ بالأساس لصالح القوة العسكرية المشتركة بقيادتها الأوروبية، لا في صالح الإقليم الذي يفتقر بشدة إلى تنميةٍ حقيقيةٍ تحمل مقوّمات التوطين والاستدامة؛ للخروج به من براثن الفقر والجهل والتخلّف والتبعية.

مارشال «تنموي».. هذا ما تريده إفريقيا:

وفقاً للاقتصادي البريطاني الشهير هارولد لاسكي Harold Laski؛ فإنّ ثمّة علاقةَ تناسبٍ عكسيةٍ بين التنمية الاقتصادية والعنف بشكلٍ عام، وخصوصاً العنف المرتبط بأبعادٍ سياسية، فكلما تزايدت مظاهر الإصلاح الاقتصادي في دولةٍ أو إقليمٍ ما؛ انحسرت مظاهر العنف السياسي ومعدلاته في تلك الدولة أو ذاك الإقليم، ومن ثمّ ينخفض العنف في النُّظُم السياسية التي تعتمد الحداثة والإصلاح، نظراً لوجود مؤسّسات سياسية واجتماعية واقتصادية وسيطة، تنظّم العلاقة بين الحاكم والمحكوم, وتضبط بوصلة الحراك الاجتماعي حال انجرافه نحو تيار العنف، وتعيده إلى مساره الطبيعي العقلاني المنضبط، والعكسُ أيضاً صحيح.

وحينما تؤكد تقاريرُ معهد هيدلبيرج لأبحاث الصّراع الدوليThe Heidelberg Institute for International Conflict Research، للعامَيْن 2015م و2016م، أنّ قارة إفريقيا تحتضن أكثر من 48% من جملة الصّراعات العنيفة في العالم، منها نحو 21 صراعاً مسلّحاً اندلع خلال العام 2015/2016م، من بين 43 صراعاً مسلّحاً حول العالم اندلع خلال تلك السّنة، كما تحتضن القارة ما جملته 97 صراعاً مسلّحاً ممتداً، ما بين دولي وتحت دولي، تمثّل نحو 25% من إجمالي الصراعات المسلّحة العنيفة في دول العالم، فإنّ هذا يعني أنّ مسرح الإرهاب قد نُصب وبات مُهيئاً لكلّ اللاعبين الإقليميّين والدوليّين للولوج إلى القارة من خلاله.

لا يعني هذا إنكار وجود مظاهر العنف والإرهاب في إفريقيا، أو عدّها ظاهرة مصطنعة، بقدر تأكيد أنّ تلك الظاهرة تبقى في الأخير «عَرَضاً» وليست «مَرَضاً»، فالمرض العضال الحقيقي في جسد القارة الإفريقية الواعد هو «غياب التنمية المستدامة»، واستنزاف موارد القارة عبر استغلال القوى الدولية الكبرى لثروات إفريقيا بشكلٍ مباشر، وإغراق المجتمعات الإفريقية في مستنقع الحروب والصّراعات الأهلية المسلّحة، ومن ثمّ استغلال القوى الكبرى أيضاً لذلك المناخ الصّراعي لتعظيم مبيعاتها من السلاح، والتدّخل في صنع القرار الإفريقي من بوابة الشّرَاكات الأمنية المشروطة، والتحالفات الاستراتيجية العسكرية غير المتكافئة؛ كصورةٍ من صور الاستعمار الجديد للقارة.

بناءً عليه؛ فلا يُوجد عاقل يعارض أية مشروعاتٍ استراتيجيةٍ لمجابهة ظاهرة الإرهاب في إفريقيا، لكن يجب أن تَكُون تلك المشروعات أُطُراً حقيقيةً للعمل، وغير مُحَمّلَة بأجندات المستعمِر القديم وأهدافه الاستنزافية لخيرات القارة وثرواتها من جهة، وواجهة لـ«شَرْعنة» نُظُم حكمٍ ديكتاتورية فاسدة، لطالما هيّأت المناخ، على مدار عقودٍ سابقة، لنموّ التنظيمات الإرهابية وتوالدها في البيئة الإفريقية؛ من جهة أخرى.

إنّ المشروع الاستراتيجي الشامل الذي تتوفر له فرصٌ كبيرةٌ لمواجهة التهديدات الإرهابية في البيئة الإفريقية، من الأهمية بمكانٍ أن يكون في الإطار التكاملي الشامل نفسه الذي تبنّاه «مشروع مارشال» التاريخي، الذي أنقذت به الولايات المتحدة حلفاءها الأوروبيّين من خطر الوقوع في قبضة الأفكار العنصرية والقومية المتطرّفة من جديد.

ومما لا شك فيه؛ أنّ المدخل الأمني يُعدّ ركيزة أساسية لبناء استراتيجية متكاملة لمجابهة الإرهاب في إفريقيا، لكن من الضروري، لكي يؤتي ثماره، أن يتكامل مع أبعادٍ ومرتكزاتٍ أخرى لا تقلّ أهمية، تتعلق يسياقاتٍ اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية عدّة، تنصهر بعضها مع بعضها الآخر في بوتقة زمنية ملائمة؛ حتى تُؤْتِي ثمارها المرجوّة في الوقت المناسب.

وعليه؛ فإنّ الاقتصار على المعالجات الأمنية والاستخباراتية التقليدية لمكافحة مظاهر التطرّف والإرهاب على الصّعيدَيْن، الفكري والعملياتي، في إفريقيا، ممزوجة ببعض المساعدات الاقتصادية، كأداة ابتزاز معتادة في السياسات الدولية، في أغلب الأحيان لا يكون ذا جدوى على المديَيَن، المتوسط والطويل، ما لم تكن ثمّة خطّةٌ مقترنةٌ بحُزْمة استراتيجيات سياسية وثقافية ومجتمعية واقتصادية، تقود إلى مصالحةٍ وطنيةٍ بين الأطراف المتصارعة في دول الأزمات الإفريقية، وتُعلي من ثقافة الحوار البَنّاء، وتؤكّد مفردات الشفافية والحُكم الرشيد، وتقضي على منظومة الفساد والاستبداد والتمييز بين أبناء البلد الواحد، للوصول إلى دولة الرفاهية، الركيزة الرئيسة للسّلم والأمن في القارة السّمراء، وفقاً لما أثبتته الخبرة الأوروبية التاريخية في تجفيف منابع الفاشية القومية والقضاء على مسبّباتها.

إنّ الاقتصار على المعالجات الأمنية والاستخباراتية التقليدية لمكافحة التطرّف والإرهاب لا يكون ذا جدوى ما لم تكن ثمّة خطّة مقترنة بحزمة استراتيجيات سياسية وثقافية ومجتمعية واقتصادية

القضاء على الإرهاب في إفريقيا إذاً لا يكون فقط في: إعلان الرئيس الفرنسي «ماكرون»، على هامش قمّة مالي- يوليو 2017م، أنّ باريس ستقدّم سبعين عربةً مدرعةً وثمانية ملايين يورو، إضافةً إلى دعمٍ لوجستي وعملياتي للقوة العسكرية الجديدة التي أُطلق عليها اسم: «التحالف من أجل السّاحل»، في حين أنه كان الأولى به أن يُطلق عليه الاسم الحقيقي الهدفي المنشود والمتّسق مع نياته، وهو: «التحالف من أجل دعم النفوذ الفرنسي في السّاحل».

كما أنّ القضاء على الإرهاب في إفريقيا؛ لا يَكُون فقط بوعد الاتحاد الأوروبي بتقديم 50 مليون يورو لصالح تجهيز القوة العسكرية الإقليمية لدول السّاحل، ولا في دَعْوَة فرنسا المأزومة ماليّاً، والتي تعاني من عجزٍ كبيرٍ في الميزانية يحتّم عليها تقليص نفقاتها، لدول أخرى من الاتحاد الأوروبي، خصوصاً ألمانيا وهولندا وبلجيكا، لأن تقدّم دعماً للقوة المشتركة، لحماية أوروبا برمّتها، مع طلبها دعماً ملموساً من الولايات المتحدة الأمريكية الحاضرة عسكريّاً؛ من خلال تسيير طائرات من دون طيار تتمركز في النيجر.

وختاماً:

فإنّ من ضروريات القضاء على الإرهاب: تحقيق استدامة التنمية في إفريقيا، وهذا يتطلب أولاً- وفقاً لتقديرات «وكالة تأمين التجارة الإفريقية» (ATI) للعام 2017م- سدّ الفجوة الخاصّة بالبنية التحتية الأساسية في القارة، والتي تُقدّر قيمتها بنحو 900 مليار دولار، ومعالجة المعضلات الهيكلية الأخرى، وأهمّها: ضعف الهياكل المؤسّسية، والفساد، والافتقار للحُكم الرشيد، وانعدام الكفاءة في الأسواق الاستثمارية، مع ضرورة العمل على تنويع الاقتصادات الحكومية والتحالفات الخارجية، الاقتصادية والعسكرية، والابتعاد قَدْر المستطاع عن فلك القوى الاستعمارية السابقة.. وبغير هذا؛ فإنّ البيئة الإفريقية ستبقى إلى حينٍ حاضنةً خصبة لمعضلاتٍ أمنيةٍ عدّة، ليس أقلّها الإرهاب والهجرة غير الشرعية والاتجّار بالبشر.  

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟